Loading ...

إسهامات المسلمين في تطور حركة نقد الكتاب المقدس في الغرب (ابن حزم نموذجاً)- د. يوسف الكلاّم


يسعى هذا البحث إلى إبراز الدور الفعال الذي لعبه القرآن ومن بعده كُتب الفكر الإسلامي في إرساء دعائم حركة نقد الكتاب المقدس التي عرفها الغرب في مطلع القرن السابع عشر مع علماء بارزين أمثال باروخ سبينوزا والقس ريشار سيمون وغيرهم، ويدفعنا إلى القيام بهذا الأمر ما لاحظناه أثناء تعرضنا للكتب التي أرَّخت لهذا العلم في الغرب من تغييب شبه شامل للنقد الإسلامي للكتب المقدسة التي يؤمن بها أهل الكتاب، بل وتجاهل شبه مطلق لأثر الفكر الإسلامي في النهضة الفكرية التي عرفتها أوروبا، وما أفرزته من إصلاح شامل امتد إلى الممارسات والطقوس الكنسية نفسها.

I-                 مآخذ عن التأريخ لحركة نقد الكتاب المقدس في بعض المؤلفات الغربية.

في حدود بحثنا، لم نجد كتابا من الكتب التي وقفنا عليها وقف وقفة شافية كافية مع ما أسدته الكتب الإسلامية من خدمات معرفية كان لها بالغ الأثر في هذا المجال، اللهم بعض الإشارات التي يُشار إليها هنا وهناك بشأن دور الحضارة الإسلامية، وأثرها كوسيط بين الحضارة اليونانية الإغريقية والحضارة الغربية فيما عرفته هذه الأخيرة من تقدم فكري، وحتى هذه الإشارات كانت تخضع لعمليات انتقائية، إذ غالبا ما يُشار إلى دور بعض الأعلام المسلمين: أمثال ابن رشد وابن سينا والفارابي وغيرهم، خصوصا فيما حققوه في المجال الفلسفي، بهدف إبراز أن الفضل يرجع أساسا إلى فلاسفة اليونان الذين نقلوا عنهم، وأن هؤلاء المفكرين المسلمين، اقتصروا على ترجمة علوم الحضارة اليونانية التي تُعتبر الحضارة الغربية امتدادا لها، وأن لا فضل للمسلمين على الغرب سوى فضل الترجمة، فعملهم لم يكن ابتكارا بقدر ما كان تقليدا وترجمة، وقد أشار الدكتور منير شفيق إلى حقيقة النقل الذي تعترف به الحضارة الغربية للحضارة الإسلامية[1].

ولا يجب أن ننسى تلك الإشارات الإسلامية والغربية في هذا الموضوع، والتي حاولت من خلال بعض الدراسات المحتشمة، رفع الظلم وإبراز الدور الفعال الذي لعبه المسلمون في تطوير حركة نقد الكتاب المقدس، والتي حاول أصحابها تسليط الضوء على بعض العلماء المسلمين ذوي الباع الطويل في هذا العلم، أمثال القاضي عبد الجبار الهمذاني، والباقلاني، وابن حزم الظاهري الأندلسي وغيرهم، ونذكر على الخصوص الأبحاث التي قدمها الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي بنفسه أو تحت إشرافه[2]، وتلك المقدمة التي أعدها أسين بلاسيوس لكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل للإمام ابن حزم الظاهري الأندلسي، وكتاب "مدرسة ابن حزم الأوروبية في النقدية التاريخية" الذي لم ير النور بعد للدكتور محمد عمراني حنشي.

1-               تاريخ حركة نقد الكتاب المقدس من خلال كتاب "تاريخ نقد العهد القديم"

وحتى لا نكون مجرد مدعين سنتطرق لمؤَلفيْن أرَّخ كل منهما لحركة نقد الكتاب المقدس، واعتقدنا أنهما سيقفان على ما قدمه الفكر الإسلامي في هذا الميدان، لكن للأسف كسائر الكتب الغربية تجاهلا ذلك، والمؤَلفان هما كتاب: "تاريخ نقد العهد القديم من أقدم العصور حتى العصر الحديث"[3]، والموسوعة المسماة: "Encyclopédia universalis"، ويشترك المؤلَفان المختاران في كونهما نتاج مجموعة من الباحثين، وهي صفة أصلية في الموسوعات لا نحتاج التدليل عليها، أما كتاب "تاريخ نقد العهد القديم…" الذي قام بتحريره شالمان شازار وترجمه من العبرية إلى العربية الدكتور أحمد محمد هويدي فهو "ثمار عمل مشترك سواء في خطته أو في تفاصيل أقسامه"[4].

مع أن أصحاب كتاب "تاريخ نقد العهد القديم.." كشفوا في مقدمة كتابهم عن الباعث وراء تأليفهم، والمتمثل في كون "علماء الأمم ينظرون إلى الفكر العبري كله بمثابة إرث للماسورا[5] ، ولم يذكروا في عروضهم الموجزة للباحثين أي باحث عبري… واعتُبر بحث العهد القديم علما أجنبيا في نظر رؤساء المتحدثين في الدوائر اليهودية لفترة طويلة"[6]، فالهدف من الكتاب هو التعريف بنُقاد العهد القديم من اليهود، لكن مع ذلك نجد الكتاب تعرض إلى النُقاد المسيحيين للعهد القديم وتفسيراتهم له، فخرج مؤلفوه عما التزموا به في مقدمة كتابهم، ويحق لنا مؤاخذتهم بشأن تجاهلهم للكتابات الإسلامية التي تناولت موضوع نقد العهد القديم في المشرق أو المغرب الإسلاميين.

أ‌-                   مباحث كتاب "تاريخ نقد العهد القديم":

ينقسم الكتاب المذكور إلى ثلاثة عشر فصلا موزعة على ثلاثة أقسام، اشتمل القسم الأول الذي يحمل عنوان: نقد الموروث على ستة فصول هي: الفصل الأول: تثبيت العهد القديم، الفصل الثاني: النقد في التلمود، الفصل الثالث: المحافظون والمعارضون، الفصل الرابع: علم النحو والبحث الديني، الفصل الخامس: التفاسير النصرانية، الفصل السادس: باروخ سبينوزا وآراؤه في العهد القديم، أما القسم الثاني فاختار له مؤلفه عنوانا: النقد العلمي، ويشمل خمسة فصول هي: الفصل السابع: نظرية المصادر، والفصل الثامن: تحديد المصادر الأربعة، والفصل التاسع: فلهاوزن ومدرسته، والفصل العاشر: تأثير الحفريات، ثم الفصل الحادي عشر: الاتجاهات الحديثة، أما القسم الثالث وعنوانه: النقد عند اليهود في القرن التاسع عشر، فقد اشتمل على فصلين اثنين هما: الفصل الثاني عشر: علم الدراسات اليهودية في الغرب، والفصل الثالث عشر: نقد العهد القديم في الأدبيات العبرية الحديثة.

ب‌-               مآخذ عن كتاب "تاريخ نقد العهد القديم":

وسأكتفي في بيان تقصير مؤلفي الكتاب بخصوص إسهام الفكر الإسلامي على ما أوردوه في القسم الأول من الكتاب، والذي يحمل عنوان "نقد الموروث" في فصله الرابع المعنون بـ"علم النحو والبحث الديني".

ينقسم الفصل المذكور إلى خمسة مباحث أولها: ازدهار النقد في الأندلس، ثانيها: المفسرون في فرنسا، ثالثها: النحاة والمفسرون، رابعها: الباحثون والمفسرون، خامسها: البحث العبري والبحث النصراني. وكان على أصحاب الكتاب، ومؤلف الفصل الرابع منه ز.روفشوف خاصة –لو كان باحثا ومؤرخا منصفا- أن يضيف إلى مباحثه الخمسة مبحثا سادسا عن البحث العبري والبحث الإسلامي؛ يقارن فيه بين المنهجين الإسلامي والعبري، ومدى أثر الفكر الإسلامي في الفكر العبري، خاصة والمؤلف تعرض لازدهار النقد الأندلسي في المبحث الأول، ولإسهامات "أبرهام بن عِزرا" في المبحث الرابع ووقف معه وقفة طويلة في أزيد من ست صفحات، في حين وقف مع غيره من النقاد اليهود المذكورين في الكتاب وقفة لم تتجاوز في أقصى الحالات صفحة واحدة، معترفا أن قمة البحث في العصر الوسيط وصلت ذروتها مع "أبرهام بن عزرا"، يقول: "غير أن قمة بحث العهد القديم عند اليهود في العصر الوسيط تمثلت في العمل التفسيري لـ"أبرهام بن عزرا" (1089م/1164م)[7]، كما اهتم الفصل السادس من فصول القسم الأول بـ"باروخ سبينوزا" (1632م/1677م) وآرائه في العهد القديم.

ج- بيان تغييب إسهامات المسلمين في الكتاب:

وتأكيدنا على شخصي "أبرهام بن عزرا" و"سبينوزا" دون غيرهما من الباحثين اليهود المذكورين في الكتاب، لاعتقادنا أن "ابن عزرا" يمثل صلة الوصل بين النقد الإسلامي للعهد القديم الذي تزعَّمه ابن حزم الظاهري الأندلسي (994م/1064م) والنقد اليهودي الذي تزعمه "سبينوزا" في القرن السابع عشر، فهذا الأخير أعلن صراحة أنه لم يكن أولَ من تنبه إلى أن موسى لم يدون الأسفار الخمسة، وأن "أبرهام بن عزرا" قد سبقه إلى ذلك حيث يقول: "ولهذا السبب فإن "ابن عزرا" –وهو رجل كان فكره حرًّا إلى حدٍّ ما ولم يكن علمُه يُستهان به وهو أولُ من تنبَّه إلى هذا الخطإ فيما أعلم- لم يجرؤ على الإفصاح عن رأيه صراحة واكتفى بالإشارة إليه بألفاظ مُبْهَمَةٍ. أما أنا فلن أخشى توضيحَها وإظهارَ الحقّ ناصعاً. هذه هي أقوالُ "ابن عزرا" في شرحه على "التثنية": فيما وراء نهر الأردن…الخ لو كنت تعرف سر الاثني عشر.. كتب موسى شريعته أيضا.. وكان الكنعاني على الأرض.. سيوحي به على جبل الله.. هاهو ذا سريره سرير من حديد حينئذ، تعرف الحقيقة. بهذه الكلمات القليلة يبين ويثبت في الوقت ذاته أن موسى ليس هو مؤلف الأسفار الخمسة بل إن مؤلفها شخص آخر عاش بعده بزمن طويل وأن موسى كتب سفرا مختلفا"[8].

والملاحظ أن ابن عزرا[9] من مواليد الأندلس حيث ولد بعد وفاة الإمام ابن حزم بخمس وعشرين سنة، وهي مدة قليلة غير كافية لانطفاء نور أعمال ابن حزم وصيته بين أوساط اليهود، مع العلم أن الرجل تعرض لعقائد اليهود وفرقهم وكتبهم المقدسة بالنقد اللاذع، وسفَّه أحلام علمائهم وحقَّر عقول أحبارهم، والجدير بالملاحظة في حياة "ابن عزرا" أيضا إسلام ابنه "إسحاق" الناتج غالبا عن اطلاعه على مؤلفات ابن حزم خاصة كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" ورده على "ابن النِّغْرِيلَّة" اللذين ينتقد فيهما اليهودية، ويبين فضل الإسلام عليهما وعلى كل الأديان، وربما كان اطلاع الابن على هذه الكتب بواسطة الأب، فأحس هذا الأخير أنه كان السبب في مروق الابن مما دفع به إلى الهجرة.

والملاحظ أيضا أن "ابن عزرا" لم يكتب إلا بعد الرحيل عن الأندلس[10]، مما يدل على أن المرحلة الأولى ببلاد الأندلس كانت مرحلة الدراسة والتعلم، وتخبرنا أنواع الكتب التي ألفها أنه تلقى العلم عن علماء الأندلس المسلمين بدليل اهتمامه بالنحو وجذور الكلمات وعلمه بالعربية، وترجمته عنها وهو أمر كان منتشرا بين يهود الأندلس؛ فقد ترجم هؤلاء كثيرا من الكتب الإسلامية من العربية إلى العبرية، كما قاموا بكتابة كتب أخرى عربية لكن بالحرف العبري[11].

كان من المفروض إذن على مؤلفي كتاب "نقد العهد القديم…" أن يشيروا إلى أثر الفكر الإسلامي في حركة نقد العهد القديم وعلى الخصوص أثر الأندلسيين المسلمين وبالأخص أثر ابن حزم فيما كتبه ابن عزرا، إن كانوا بالفعل يسعون إلى تأريخ شامل ودقيق لهذا العلم، أما أن يغفلوا عن قصد أهم المراحل التاريخية التي مر منها نقد الكتاب المقدس، ويطمسون الحقائق التاريخية ويكتمون ما يعلمون، ويدعون لأنفسهم الموضوعية في البحث فهذا ما لا يجوز قبوله بتاتا.

2-               تاريخ حركة نقد الكتاب المقدس من خلال الموسوعة "encyclopedia universalis"

أ‌-                   مباحث الموسوعة:

أما الموسوعة Encyclopédia Universalis فقد تعرضت عند حديثها عن دراسة الكتاب المقدس Etude de la Bible  لتاريخ نقد هذا الأخير عبر العصور سواء مع اليهود أو المسيحيين، وذلك في مبحثين: الأول بعنوان التفسير التوراتي Exégèse Biblique والـثاني بعـنوان: التـجديد التوراتي الـمعاصر Renouveau Biblique Contemporain ، وتطرقت في المبحث الأول إلى تفسير العهد القديم عند اليهود والمسيحيين، مبرزة الأدب المدراشي[12] كأحد طرق التفسير التي عرفها العهد القديم مع اليهود، وأشارت إلى أن الفكر المسيحي يَعتبر العهد الجديد في حد ذاته نصا تفسيريا للعهد القديم وأن كتابات الآباء وباقي الأسفار المسيحية-بما فيها أسفار الأبوكريفا[13]- لا تقل أهمية عن نص العهد الجديد، إذ لم يتم إخراجها من القانون الرسمي إلا في زمن متأخر.

ولم تغفل الموسوعةُ الحديثَ عن التفسير الرمزي للعهدين ودور الآباء الكنسيين في تأسيس مدرستين تفسيريتين إحداهما بالإسكندرية والثانية بأنطاكية، وتميزت المدرسة الأولى بالتفسير الرمزي متأثرة في ذلك بـ"بولس" الرسول[14] و"فيلون" (20ق.م- 54م)[15]  الإسكندري، ومن أتباع هذه المدرسة "أوريجين"Origéne [16] (186م-254م) الذي يرى في الكتاب المقدس بعهديه معنيين: معنى حرفي ومعنى روحي، فالمعنى الحرفي هو الذي يظهر من أول قراءة للنص وهو المعنى الذي يدركه العوام من الناس، أما المعنى الروحي فهو معنى باطـن لا تدركه إلا الفئة المستنيرة الـتي تحظى بتأييد من الروح القـدس، واشتـهر من أتـباع المـدرسة الثانية لوسيان الأنطاكي Lucien d’Antioche  [17] الذي كان يولي المعنى الحرفي الاهتمام الأول.

وانتقلت الموسوعة إلى الكلام عن الدراسات التوراتية في العصر الوسيط ومدى سيطـرة التفسـير الرمزي في هـذا العصر، ومع ظهور المدارس السكولاستيكية بدأ الاعتـناء بالمعـنى الحرفي خاصـة توما الإكويني (1225-1274م)[18]، وقد أعطى هذا الأخير الأولوية للمعنى الحرفي، ويرى أن اعتناء اللاهوتي يجب أن ينصب عليه دون غيره، ورأت الموسوعة أن الاهتمام بالمعنى الحرفي في أوساط اللاهوتيين في هذا العصر كان له كبيرُ الأثر في التفسير الحديث وأن المدارس الإسبانية والفرنسية التي اعتنت به أنتجت لنا ما بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر الميلاديين مفسرين كباراً أمثال ابن ميمون وليفي ابن جرسون.

أما التفسير النقدي الذي عُرف في القرن السادس عشر فترى الموسوعة أنه جاء نتيجة لانتشار المذهب الإنساني الذي أحدث تغييرا عميقا في المناهج التفسيرية نظرا للاهتمام البليغ الذي يوليه هذا المذهب للمكتشفات الأركيولوجية ودعوته إلى الإلمام المتزايد باللغات الإغريقية والعبرية التي تجعل الباحث أكثر قربا من النص المقدس.

ولم تنس الموسوعة أن تذكِّر بالعمل الجبار الذي قام به الأخوان Jacques et louis Cappel  والمتمثل في كتابهما "Critica Sacra، وتُمجِّد القس "Richard Simon   (1638م/1712) واعتبرته "أبا للنقد الحديث" لدعوته المستمرة إلى التفسير التاريخي ولاجتهاده في إبراز المعنى الحرفي للنصوص اعتمادا على المعطيات اللسانية والأركيولوجية والتاريخية والجغرافية، ويرى أن هذه العلوم الأربعة وحدها كفيلة لإظهار النص المقدس في شكل جديد، بعيدا عن التفسيرات الرمزية التي عرفتها القرون الماضية.

وإذا كانت الموسوعة سلطت الضوء على كل من ساهم من بعيد أو قريب في تطوير علم نقد الكتاب المقدس من المؤمنين اليهود والمسيحيين فهي لم تكلف نفسها عناء البحث في ما تركه الفكر الإسلامي بين رفوف المكتبات الإسبانية من أبحاث قيمة في هذا المجال، مع أن معظم الأعلام الذين ذكرتهم (ابن ميمون وليفي ابن جرسون وتوما الإكويني وRichard Simon) كانوا على اطلاع واسع بالفكر الإسلامي كما أشارت ّإلى ذلك هي نفسها بين صفحاتها وهي تترجم لحياتهم، ولم يكن عدم اهتمامها هذا لاعتبار المسلمين كُفَّارا بالنص اليهودي والمسيحي، في حين ينصب اهتمامها على المؤمنين من اليهود والمسيحيين، لأنها تعرضت للجهود التي بذلتها الأوساط غير المؤمنة والأوساط البروتستانتية إذ نصت بالحرف بقولها: "في الأوساط غير المؤمنة والبروتستانتية انتعش النقد التوراتي"[19] وعـددت أسماء كثيرة أمثال  …Wellhausen, Reuss, Ewald, Echhorn [20] وتطرقت للأزمة التي أحدثها ألفريد لوازي Loisy Alfred بتطبيقه للمناهج النقدية على النص المقدس واعتباره الكتاب المقدس نصا كباقي النصوص الأخرى ومن الضروري إخضاعه لما تخضع له من درس وتمحيص.

وقفـت الموسـوعة أيضا مع المـدرسة الألمانية التي أرسى دعائمها Rudolf Bultman  والـتي حمـلت اسـم مدرسـة تـاريخ الأشـكال الأدبية L’école de l’histoire des formes (Formgeschichte) التي ترى فهم المسيحية موقوفا على تجريد نصوصها من الأساطير اليهودية والإغريقية التي علقت بها.

أما المبحث الثاني: التجديد التوراتي المعاصر، فقد ألقت من خلاله الموسوعة الضوء على الإصلاحات الكاثوليكية التي قامت بها الكنيسة لما رأت انتصار البروتستانت وغير المؤمنين في نقد الكتاب المقدس، وركزت بالخصوص على دور البابا Pie XII في إعطائه للدراسات التوراتية اتجاها مصيريا بإصداره للرسالة الدورية Divino afflante spiritu التي أكد فيها على أن المفسر الكاثوليكي لن يتأتى له تفسير نصوص الكتاب المقدس ما لم يُحِطْ بالنصوص في مظانها ولغاتها الأصلية خاصة اللغة العبرية والإغريقية مما يحتم اللجوء إلى المناهج الحديثة المطبقة على النصوص الدنيوية خاصة منهج النقد التاريخي والنقد الفيلولوجي.

ب‌-               بيان تغييب الموسوعة لإسهامات المسلمين:

وتقصير الموسوعة في تأريخها لحركة نقد الكتاب المقدس يظهر في قفزها من مرحلة الآباء الكنسيين الأوائل –من القرن الرابع إلى القرن السادس التي اشتهرت بالتفسير الرمزي- إلى مرحلة النصف الثاني من العصر الوسيط –من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر التي اشتهر فيها ابن ميمون وابن جرسون وتوما الإكويني- متجاهلة المرحلة من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر مرحلة ازدهار الحضارة الإسلامية، مع أننا نلمس بكل وضوح أثر الفكر الإسلامي لدى الأعلام المذكورين في جل كتابتهم، ويكفي أن نشير إلى أن معظمهم كان يعرف اللغة العربية لغة القرآن.

رغم هذه "الإحاطة التاريخية" المزعومة من طرف مؤلفي كتاب تاريخ نقد العهد القديم… ومؤلفي الموسوعة المذكورة لم يتعرض أي من الكتابين ولو بشكل عابر للنص القرآني باعتباره أول نص أثار الشكوك حول إلهية ما بين يدي اليهود والمسيحيين من نصوص يدعون أنها إلهية بل جزم بتعرضها للتحريف والتبديل، ولم يشيرا إلى ما كتبه المسلمون في المشرق والمغرب حول مصداقية التوراة والإنجيل، ولم يشيدا بالمناهج النقدية التي وضعها المسلمون لنقد الكتب المقدسة، مع أن المكتبات التي خلفها المسلمون ببلاد الأندلس تكاد تخر على وجهها من ثقل ما احتضنته من الكتب المتضمنة لمناظرات شفهية وكتابية مع أهل الكتاب تتعلق بالنصوص المقدسة لدى الطرفين، ونكتفي من المشرق بذكر مناظرات الجاحظ والقاضي عبد الجبار، والباقلاني وابن تيمية، ومن المغرب ابن حزم والباجي والقرطبي…

لكن القوم مع ما يدعون من موضوعية وتجرد ومصداقية في التأريخ للعلوم نجدهم كلّما تعلق الأمر بتاريخ الأديان والعقائد يقصدون تغييب الإنتاج الفكري الإسلامي خوفا من إبراز مميزات الإسلام التي سعوا دائما -إرضاء للكنيسة – إلى إخفائها عن العامة فيصبحوا من حيث لا يشعرون دعاة للدين الإسلامي، فتعمدوا طمس الحقائق، وصدق الله العظيم إذ يقول:) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ([21]

بعد الوقوف مع ما جاء في الكتابين: "تاريخ نقد العهد القديم.." اليهودي، والموسوعة المسيحية "Encyclopédia unversalis" وبيان تجاهلهما للدور الفعال الذي لعبه الفكر الإسلامي في إرساء دعائم علم نقد الكتاب المقدس، نحاول في الشق الثاني إبراز مساهمة المسلمين في بناء صرح هذا العلم النقدي وذلك من خلال الوقوف على النص القرآني باعتباره من النصوص الأولى التي تعرضت إلى الكتب السماوية السابقة بالنقد، ومن جهة أخرى سنقف مع ما قدمه علماء الإسلام باعتبارهم واضعي الملامح الكبرى للمناهج النقدية الغربية الشهيرة خصوصا منهجي النقد الفيلولوجي والنقد التاريخي وذلك من خلال رصد ملامح هذه المناهج في كتاباتهم.

II-               إسهامات الفكر الإسلامي في نشأة حركة نقد الكتاب المقدس وتطورها في الغرب.

مما لا شك فيه أن للمسلمين قصب السبق في إرساء دعائم علم نقد الكتاب المقدس موضوعا ومنهجا، ويمكننا لمس هذا السبق من خلال كتاباتهم في الموضوع، لكن قبل التطرق إلى الإسهامات الفكرية التي يزخر بها الفكر الإسلامي على المستوى المنهجي، تجدر الإشارة إلى مكانة النص القرآني ودوره التأسيسي في نقد الكتب السماوية، باعتباره المصدر الأساس الذي اعتمده المسلمون في مؤلفاتهم ومن النصوص الأولى التي أثارت إشكالية التحريف والتبديل التي لحقت الكتب السماوية ودعت إلى عدم التقليد ونقد كل موروث.

1-               إسهامات القرآن الكريم في التأسيس لحركة نقد الكتاب المقدس.

نصَّ القرآن في كثير من الآيات على ضرورة الإيمان بالكتب والأنبياء السابقين المرسلين في بني إسرائيل وفي غيرهم، وجعلت الإيمان بجميع الرسالات وعدم التفريق بين الرسل الكرام ركنا من أركان الإيمان: )قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ([22]. وكانت الإشارة إلى التحريف أُولى طرق النقد التي سلكها القرآن لبيان خطإ أهل الكتاب عقائديا وتشريعيا،" فقد أتى القرآن بنظريتين أساسيتين هما عماد النقد الإسلامي، وأصبحا في ما بعد عماد النقد الغربي الحديث… وهاتان النظريتان هما نظرية التحريف والتبديل، ونظرية تعدد المصادر والتي أصبحت أساس النقد المصدري للتوراة"[23].

وامتاز النص القرآني بالكشف عن جميع أنواع التحريف المقصود منه وغير المقصود، وبيَّن صوره المتعددة والتي تكون إما باللَّي: )مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ([24]، أو بالكتمان: )الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ([25]، أو بالإخفاء )وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا( [26]، أو بالنسيان) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ([27].

وتوضح هذه الوسائل مجتمعة الطرق التي تحولت بها نصوص التوراة والإنجيل من نص إلهي إلى نص إنساني خطه رجال الدين من الأحبار والرهبان بأيديهم.

وإذا نظرنا إلى القرآن وجدناه معجزة ذهنية لا يدعو أتباعه للإيمان به بالإكراه وإنما يستعمل منهجا علميا يعتمد الإقناع، وهو بهذا يكون واضع القاعدة النظرية والنواة الأولى والمؤسس الأول لعلم مقارنة الأديان في الفكر الإسلامي، فقد ورد فيه كثير من عقائد الناس وعباداتهم بهدف المقارنة بينها وبين الدين الصحيح الذي أرسلت به جميع الرسل، ودعا الناس إلى تمييز الحق ومعرفته بالنظر السليم وإعمال العقل واتباعه بعيدا عن اتباع الهوى والشهوات المؤدية إلى الزيغ والانحراف )وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ[28](. "والواقع أنها سمة رئيسية في القرآن الكريم أنه يدعو الناس في كل زمان ومكان لاستخدام مداركهم العقلية في دراسة وتقويم رسالة القرآن موضوعيا من حيث جدارتها وإعجازها دون تصور مسبق لأن إعجاز القرآن بلغ مبلغا لا يستطيع معه الإنس والجن مجتمعين أن يأتوا بمثله )قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا([29] وفي هذا التحدي ما يتضمنه من حث البشر للإقبال على دراسة القرآن وتقويم مضمونه عقلانيا، وهو شيء فريد في تاريخ الأديان لجهة التأكيد على عقلانية الدين إذ تتكرر في العديد من الآيات عبارة: أفلا تعقلون"[30].

 كما قصَّ قصص الأنبياء ومحاوراتهم لأقوامهم وكيف بيَّنوا لهم الباطل وزيفه عن طريق دعوتهم بالحجة والدليل وإقناعهم والسمو بهم فوق التقليد والتبعية، لسانهم في ذلك لا يختلف ولا يتباين حتى لكأنهم رسول واحد على اختلاف الزمن واختلاف لغات الأقوام، معتمدين الدعوة إلى النظر في الآفاق والأنفس والآيات الكونية للوصول إلى تحقيق الوحدانية وتنزيه الخالق I عن الشريك وتوجيه العبادة له وحده Y.

وفتح القرآن مجال المقارنة بين الأديان أمام العقل، ليكون الاختيار مبنيا على الصحة، مطالبا خصومه ومخالفيه بالحجة والبرهان على صحة ما يدَّعون وما يعتقدون قال تعالى: )سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ([31]، وقال تعالى: )وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[32](.

نخلص من كل ما سبق، إلى أن الكتابة في الأديان وتفصيل عقائد الناس وعباداتهم وكذا عقد المقارنة العلمية بينها، من أجل تمييز الصحيح فيها من الفاسد، كما عرفه الحقل الإسلامي كان منطلقها ومرجعها الأساسي القرآن، مما جعل اهتمام علماء المسلمين بهذا النوع من العلم مبكرا ومنذ القرون الأولى للإسلام[33]، تجسَّد في الردود والتصانيف التي ألَّفوها لمقارنة القرآن مع الكتب السماوية السابقة توراة وأناجيل، وبيان أوجه الاختلاف بينها وإظهار مواطن الضعف في هذه الأخيرة والتناقضات التي تمتلئ بها، بهدف الوصول إلى الحق محتكمين إلى العقل كما حثهم على ذلك القرآن.[34]

ولعل دعوة القرآن إلى استعمال العقل كانت هي التوجيه الأساسي لتحقيق شروط المقارنة الصحيحة" فقد ساق ألوانا مختلفة من الحجاج العقلي لبيان هدايته في إيقاظ العقل وتحريره من أغلال الجمود على موروث الأسلاف وتقليدهم في الأخذ بباطل عقائدهم، والاستمساك بفساد ضلالتهم، دون نظر ليكشف عن حقيقة ما كان عليه أولئك الأسلاف سوى أنهم وجدوهم كذلك يفعلون"[35].

وقد وقف القرآن مع النصارى وعقائدهم وبالأخص عقيدة التثليث وقفات كثيرة في سور وآيات عديدة، فأبرز مدى تعارض هذه العقيدة ومبدأ التوحيد الذي نادت به كل الأديان السماوية، وردَّ فكرة ألوهية المسيح وأمه مريم، وردَّ فكرة التثليث القائلة بأن الله ثالث ثلاثة، كما أشار إلى ضياع الإنجيل وتحدى النصارى في الإتيان بدليل على أن أحكامهم نابعة من نصوص الإنجيل وتعاليمه.

كل هذه الإشارات القرآنية كانت تستدعي من مؤرخي نقد الكتاب المقدس وقفة ولو قصيرة لبيان الزلزلة التي أحدثها القرآن في عقل كل مقلد وخاضع لهذه الكتب سواء من أهل الكتاب أو غيرهم، ومع أنهم يشيرون إلى انتقادات الوثني سلسوس "Celse"[36]، نجدهم –يهودا ومسيحيين- عازمين كل العزم على تغييب النص القرآني مع أنه نص نقدي بامتياز، وأول من أثار إشكالية التحريف التي تعرضت لها الكتب المقدسة السابقة عنه، كما يرفضون الاعتراف بأسبقيته في إرساء الدعائم والقواعد التي بني عليها النقد الحديث للكتاب المقدس، وذلك شأنهم في كل العلوم التي وضع لبناتها الفكر الإسلامي في الفلسفة والمنطق والتاريخ…، ولعل السبب في ذلك خشيتهم من الاعتراف بمكانة النص القرآني وإبرازه كنص صحيح واجب التصديق؛ فيصبحون دعاة مبشرين يَدْعُون بطريق غير مباشر إلى الإيمان بالقرآن واعتناق الإسلام، وهو ما لا ترضاه الكنيسة التي تعاملت مع الإسلام والقرآن على أنهما غريبان عن حقل الأديان السماوية وحاولت بث هذه الصورة القاتمة المشوهة عنهما في أوساط العالم الغربي.

2-               إسهامات علماء الإسلام في تأسيس حركة نقد الكتاب المقدس في الغرب من خلال رصد ملامح بعض المناهج الغربية في نقد الكتاب المقدس.

اعتمد علماء الإسلام في نقدهم للكتب المقدسة اليهودية والمسيحية على مناهج علمية دقيقة مكنتهم من إثبات التحريف الذي لحق هذه الكتب، وبنوا مناهجهم على قواعد وأسس متينة لا تختلف من حيث تطبيقاتها مع ما أرساه الغرب من قواعد وأسس نقدية خاصة منهجي النقد الفيلولوجي والنقد التاريخي. وسنحاول إبراز ملامح هذين المنهجين عند بعضهم.

أ- ملامح المنهج الفيلولوجي في كتابات المسلمين النقدية:

يقوم المنهج الفيلولوجي أساسا على فهم اللغة التي حُرر بها النص، والمقارنة بين مخطوطاته بهدف الوصول إلى النص الأصلي وما يريد صاحبه تبليغه للقارئ، ووضع لذلك ضوابط منهجية، على الناقد الحاذق مراعاتها، والمتمثلة في ضرورة انسجام النص مع المنطق والواقع، وأن يكون النص ذا معنى غير مخالف لقواعد اللغة، غير متناقض أو مخالف لمعتقد الكاتب أو مذهبه. دون إغفال أي علم من شأنه توضيح الملابسات والظروف التي كُتب فيها النص، مع اللجوء إلى نصوص أخرى قد تكون عونا في تحديد النص المدروس من ترجمات واستشهادات ونسخ وغيرها. وإذا كان المنهج الفيلولوجي يقوم على هذه الأسس فإن المنهج الإسلامي قد قام هو الآخر على تلك الأسس نفسها، في نقد أسفار العهدين القديم والجديد، سوى أن هدف المسلمين تمثل في العمل على إثبات التحريف في الكتاب المقدس، وليس من أجل بناء نصه وتنقيحه والاقتراب من الأصل كما سعى إلى ذلك النقاد الغربيون.

ü    قيمة اللغة في النصوص الدينية:

لم يغفل علماء الإسلام المكانة التي تحتلها اللغة في تحديد معاني النصوص وفهمها، وهم في ذلك مقتدون بما كرّسه القرآن الذي جعل من لغته العربية إعجازا لكل مخالفيه ليس في أسلوبها وبلاغتها وفصاحتها فحسب، بل أيضا في ثبوتها؛ فلغة القرآن ثابتة بالنص والتواتر منذ البعثة النبوية وإلى هذا الزمان، عكس الكتاب المقدس الذي يعاني بعهديه من جهل تام بلغته، ومع ذلك كان إلمام العلماء المسلمين كبيرا للغة التي يزعم أهل الكتاب أنها اللغة الأصل للكتاب، فهاهو صاحب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام يشير إلى أنه يعرف لغة أهل الكتاب، ولكنه لا يحب أن يتحدث إلا بلغة القرآن: "وأما قولك فأثبتوه من التوراة بالعبراني ومن الإنجيل بالعجمي فلتعلم أن لولا كره منا أن نتكلم برطانة العجم لكان ذلك علينا أيسر شئ يلتزم ولكنا إن شاء الله تعالى نذكر كلام الأنبياء من كتبكم كما قد ترجمها المترجمون من أهل ملتكم مثل يرنوم وحفص بن بر"[37]، وكان ابن حزم عند كل ردٍّ على أهل الكتاب يؤكد على أنه لا يورد من نصوصهم إلا النصوص التي لا تحتمل تأويلا ولو بعيدا يمكن صرف ظاهر النص إليه، وكان كلما أثار مخالفوه اعتراضا على اعتبار أن ما ذهبوا إليه وجه تحتمله اللغة، نفى ذلك بالتأكيد على أن العبرية التي يزعمون أنها لغة الكتاب الأصلية لا تحتمل ذلك الوجه، مثال ذلك ما أورده عند نفيه أن يكون يوسف النجار هو والد المسيح عليه السلام في قوله: "فإن قالوا إن زوج الأم يسمى في اللغة أبا قلنا.. كيف العمل في هؤلاء الذين اتفقت الأناجيل على أنهم إخوته وأخواته.. وما وجد قط في اللغة العبرانية أن ولد الربيب من غير الأم يسمى أخا"[38]، ويقول في مكان آخر:" وقد ادعى بعضهم أن هذا تقتضيه اللغة اللاتينية إن علم العالم يقال فيه أنه ابنه،.. وهذا باطل ظاهر الكذب لأن الإنجيل الذي كان فيه ذكر الأب والابن وروح القدس لا يختلف أحد من الناس في أنه إنما نقل عن اللغة العبرانية إلى السريانية وغيرها فعبر عن تلك الألفاظ العبرانية وبها كان فيه ذكر الأب والابن وروح القدس وليس في اللغة العبرانية شيء مما ذكر وادعى"[39]. ويظهر اهتمام ابن حزم باللغة الأصلية للأسفار المقدسة حرصه في بداية ذكره للأناجيل على إعطاء لغة كل إنجيل يقول عن الأناجيل: "فأولها تاريخ ألفه متَّى اللاَّواني.. وكتبه بالعبرانيه.. والآخر تاريخ ألفه مارقش الهاروني.. وكتبه باليونانية.. والثالث تاريخ ألفه لوقا الطبيب.. كتبه باليونانية.. والرابع تاريخ ألفه يوحنا.. وكتبه باليونانية.. ويوحنا هذا نفسه هو ترجم إنجيل متى صاحبه من العبرانية إلى اليونانية"[40].

ü    الترجمة وكثرة النسخ وأثرهما في تحريف النصوص الدينية:

ولم يغب عن ابن حزم ما قد تحدثه الترجمة والنَّساخة من تحريف للنص فكان يشير إلى ذلك متى أحس أن الخطأ قد يكون مردُّه إلى المترجم أو الناسخ، وينفي في نفس الوقت إرجاع الخطأ إليهما إن ثبت له غير ذلك[41]،ولا يخفى على المهتمين بالفيلولوجيا[42] أن الترجمة والنَّسَاخة يدخلان في مدار اختصاص واهتمام هذا العلم ويحظيان فيه بأهمية كبرى.

أما المقارنة بين النسخ التي يجعل منها الفيلولوجي إحدى الطرق، بل أهمها لاكتشاف الاختلافات بين النصوص[43] فقد كان علماء الإسلام سباقين في استعمال هذه المقارنات النصيَّة، لذا نجد ابن حزم قد قارن بين الأناجيل الأربعة وقارن بين التوراة وإنجيل متَّى في ذكر نسب المسيح، كما قارن بين التوراة العبرانية والسبعينية واستخلص من هذه المقارنة الأخيرة عدة أخطاء حسابية في أعمار بني آدم، جعلت الفرق في تاريخ الدنيا بين اليهود والنصارى يساوي ألفاً وثلاثمائة وخمسين عاما[44].

ü    الاختلاف بين النصوص وتناقضها:

ركز المسلمون في نقدهم للأسفار المقدسة على إبراز التناقض الموجود في هذه الأخيرة، لاعتقادهم أن كلام الله عز وجل لا يجوز أن يتناقض أو يختلف فيما بينه، أو مع العقل، أو مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالاعتقاد بتوحيد الله أو عصمة ملائكته ورسله، فكانوا كلما وقفوا على نص توراتي أو إنجيلي يقدح في ذات الله أو عصمة ملائكته أو أحد رسله نفوا عنه الوحي الإلهي، فرأوا في النصوص التوراتية المُجَسِّمة للذات الإلهية، أو القادحة في عصمة الرسل كادعاء التوراة أن الله تعالى يأكل ويشرب ويندم، وأن أنبياء الله عليهم السلام يكذبون ويزنون ويشربون الخمر ويرتدُّون عن عقيدة التوحيد، كلِّها نصوصا وضعتها أيدٍ بشرية تجهل معنى التوحيد والنبوة والعصمة، وهذا ما جعل عبد الحق الإسلامي في كتابه الحسام الممدود في الرد على اليهود يخصص الباب الثالث منه لبيان تجسيم اليهود[45]، ويخصص الباب الرابع لبيان وقوعهم في الأنبياء عليهم السلام[46].

ü    الاستعانة بالعلوم الإنسانية في نقد النصوص الدينية:

وأما ضرورة الاستعانة بالعلوم الإنسانية والكونية الأخرى في دراسة النصوص المقدسة ونقدها من جغرافيا وهندسة وفلاحة فتظهر عند ابن حزم أكثر من غيره من النقاد المسلمين، أما معرفته بالجغرافيا فقد مكنته من معرفة طول الأنهار ومنابعها ومصابِّها، مما سهَّل عليه بيان الأخطاء الجغرافية التي تمتلئ بها نصوص التوراة؛ فأبطل ادعاءها في كون نسل إبراهيم عليه السلام يملكون الأرض من النيل إلى الفرات، يقول ابن حزم: "ثم قوله النهر الكبير وما في بلادهم التي ملكوا نهر يذكر إلا الأردن وحده وما هو بكبير إنما مسافة مجراه من بحيرة الأردن إلى مسقطه في البحيرة المنتنة نحو ستين ميلا فقط"[47]، ومكنته معلوماته بجغرافية المنطقة أيضا من كشف كذب التوراة بخصوص ادعاء بنات لوط "ليس أحد في الأرض يأتينا كسبيل النساء.. أترى كان انقطع نسل ولد آدم حتى لم يبق في الأرض أحد يضاجعها إن هذا لعجب فكيف والموضع معروف إلى اليوم ليس بين تلك المغارة التي كان فيها لوط عليه السلام مع بنتيه وبين قرية سكنى إبراهيم عليه السلام إلا فرسخ واحد لا يزيد وهو ثلاثة أميال فقط"[48]، ويظهر من خلال كلام ابن حزم على الأنهر في التوراة مدى علمه بجغرافية الشرق الأدنى، ومع أنه لم يغادر الأندلس قط ولا زار المشرق أبداً نجده يصف الأنهار الأربعة المذكورة في التوراة: النيل وجيحان ودجلة والفرات وصفا دقيقا يتبين به كذِب مؤلف التوراة[49].

وأفاد أيضا من علم الفلاحة واستعمل معلوماته فيها في الرد على أقوال إنجيل متى بقوله: "حاشى للمسيح عليه السلام أن يقول هذا الكلام لكن.. الذي قاله كان قليل البصارة بالفلاحة وقد رأينا نبات الخردل ورأينا من رآه في البلاد البعيدة فما رأينا قط ولا أخبرنا من رأى شيئا منه يمكن أن يقف عليه طائر"[50].

واستفاد ابن حزم من معارفه الرياضية لإثبات الأخطاء الحسابية التي وقعت فيها التوراة يقول: "ما رأيت أجهل بالحساب من الذي عمل لهم التوراة وحاشى لله أن يكون هذا الخبر البارد الكاذب عن الله تعالى أو عن موسى عليه السلام"[51]، وبعد ذكره اضطراب التوراة في أعمار أبناء نوح عليه السلام يضيف قائلا: "وهذا كذب لا خفاء به حاش لله من مثله"[52]، فهل يختلف ما أشرنا إليه هنا مع الضوابط المنهجية الثلاثة[53] التي يضعها الفيلولوجي نصب عينيه وهو يدرس النصوص وينتقدها، والمتمثلة في ضرورة انسجام النص مع المنطق والواقع، وأن يكون النص ذا معنى غير مخالف لقواعد اللغة غير متناقض أو مخالف لمعتقد الكاتب أو مذهبه.

وتمكن بفضل ضبطه للهندسة وحساب المساحات من بيان كذب التوراة في عدد قبائل بني إسرائيل الداخلين إلى الأرض المقدسة، حيث يقول بعد تحديده لمساحة الأرض المقدسة: "واعلموا أنه لا يمكن البتة أن يكون في المساحة المذكورة على أن تكون مساحة كل قرية ميلا في ميل مزارعها ومشاجرها إلا ستة آلاف قرية ومائتا قرية هذا على أن يكون جميع العمل المذكور عمرانا متصلا لا مرج فيه ولا شجر ولا أرض محجرة لا تعمر ولا أرض مرملة ولا سبخة ملح كذلك وهذا محال أن يكون."[54].

وليس ابن حزم وحده من علماء الإسلام من استعمل القواعد الفيلولوجية في نقده للتوراة والإنجيل وإنما يعتبر أكثر المسلمين توظيفا لها في أكثر من موضع وهو أمر طبيعي لاهتمامه الكبير بالأسفار المقدسة لأهل الكتاب، وانكبابه واعتكافه على دراستها، هذا بالإضافة إلى احتكاكه الكبير بأهل الكتاب ومجالسته لهم ومناظرتهم كما يذكر ذلك في كتابيه "طوق الحمامة" و"الفصل في الملل والأهواء والنحل".

ومع أن علماء الإسلام الذين اهتموا بدراسة الكتب المقدسة انصب تركيزهم بالخصوص على إثبات التناقض بين الآيات وبيان التحريف فيها، وإظهار البشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم فيها، فإننا نجد لدى بعضهم شيئا من تلك القواعد الفيلولوجية اللازمة للناقد؛ كالمقارنة بين النُّسخ والاهتمام بأسلوب الرواية، إذ تنبه بعضهم لصيغة الغائب المهيمنة على نص الكتاب المقدس، مما يدل على أن الراوي شخص غير موسى عليه السلام، يقول القاضي عبد الجبار: "في توراة اليهود ما ليس في توراة فرقة يقال لها السامرة من الزيادات والذي بأيد النصارى فيها أيضا زيادات ونقصان.. على أنه قيل إن في التوراة ما يدل على أنه ليس من كلام الله تعالى ولا من كلام موسى لأن فيها الإخبار عن موت موسى عليه السلام وعن أحوال بني إسرائيل بعده كما أن فيها الإخبار عن أنبياء كانوا بعد موسى كل ذلك يبين أنه من كلام من جاء بعد موسى"[55]، أما البيروني فقد اهتم بلغة الكتب المقدسة من أجل بيان أن الأصل في اليهودية والمسيحية هو التوحيد، وأن ما اشتملت عليه هذه الأخيرة من مساس بعقيدة التوحيد لا يدل عليه نص صريح من التوراة أو الإنجيل، بل إن نصوص التوراة والإنجيل دعت غير المسيح بلفظة "الابن"[56].

ب- ملامح المنهج التاريخي في كتابات المسلمين النقدية:

ü    أصالة المنهج التاريخي في علوم الحديث:

يعتبر علم الحديث بجميع فروعه من خصوصيات الحضارة الإسلامية، إذ كان ميزتها التي ميزتها عن سائر الحضارات في الشرق والغرب، وهو علم يعكس مدى اهتمام مفكري الإسلام بالنصوص الدينية وعنايتهم القصوى بها وبرواتها، فلا يقبلون أي نص حديثي بمجرد ادعاء نسبته إلى النبي عليه السلام ما لم يثبت بالسند المتصل من أول رواته إلى آخرهم، وما لم يكن رواته ثقاة عدولا معروفين، وما لم يوافق هذا النص غيره من النصوص الثابتة الصحيحة كالقرآن الكريم، أو ما هو معلوم من الدين بالضرورة.

والقرآن الكريم بصفته النص الديني الأساس في الإسلام اجتاز هذا الامتحان بامتياز، فالنبي عليه السلام الذي ادعى نسبة القرآن لله تعالى معلوم الصفة والسيرة منذ الولادة إلى البعثة، كريم في قومه مشهود له بينهم بالصدق والأمانة، إذ لم يدِّع الرسالة حتى أخذ من قومه إقرارا وشهادة علنية بصدقه، فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "لما نزلت )وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ([57] صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصَّفا فجعل ينادي يا بني فهر، يا بني عدي لبطون قريش، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"[58].

"واستمر توثيق النص القرآني حفظا وكتابة إلى أن تم اكتمال نزول النص القرآني، وتوفي الرسول بعد ذلك تاركا وراءه النص القرآني مكتوبا بشكل كامل على الرقاع في بيته، مع وجود عدة نسخ للنص القرآني مكتوبة بشكل كامل عند مجموعة من الصحابة، غير الكتابة المتفرقة للنص في مجموع مجتمع الصحابة"[59]، كما بقي محفوظا في صدور المؤمنين تتناقله الكواف من الناس عن الكواف منهم حتى وصل إلينا على الحال الذي أوحي به إلى النبي r لا تناقض نصوصُه ولا شرائعه الفطرة أو العقل أو العلم.

أما الحديث النبوي فيختلف عن القرآن من حيث زمن كتابته وجمعه، فقد نهى النبي r في أول البعثة أن يُكتب عنه شئ غير القرآن، وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله عليه السلام قال: لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب علي قال همام أحسبه قال متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"[60]، مما يدل على أن كتابة الحديث النبوي كانت متأخرة عن وقت البوح النبوي بها، أما جمع الحديث فكان بدوره في زمن متأخر وحقبة كثر فيها وضع الأحاديث المكذوبة عن سيد المرسلين.[61]، وقد دفع وضع الحديث ونسبته كذبا إلى النبي عليه السلام بالمحدثين إلى الاحتياط والاحتراز فيما يسمعون ويجمعون من أحاديث، ووضعوا لأنفسهم مناهج علمية دقيقة لدراسة أحوال أسانيد الأحاديث ومتونها، كما وضعوا شروطا لرد أو قبول الحديث منها: ألا يخالف القرآن، وأن يكون سليم اللفظ والتركيب والمعنى، واشترطوا في رواة الحديث الإسلام والرشد والعقل وعدم المجاهرة بالفسق وخوارم المروءة، واشترطوا في راوي الحديث أن يكون ضابطا عدلا.

ü    النقد التاريخي للكتب السماوية السابقة عند المسلمين:

وقد تعامل المسلمون مع التوراة والإنجيل وباقي كتب أهل الكتاب تعاملهم مع القرآن والحديث النبوي نفسه، فاشترطوا التواتر وثبوت السند في كل الكتب المقدسة المنسوبة إلى الله والأقوال المنسوبة إلى الأنبياء، وسألوا عن أحوال نقلة هذه الكتب وسيرهم، لذلك نجدهم يطالبون اليهود والنصارى بإثبات السند المتصل لكل كتاب ينسبونه لله عز وحل، بل بحثوا أنفسهم في سندها ومتنها، وبينوا أنها فاقدة لهذا الشرط الضروري، يقول عبد الله بن إسماعيل الهاشمي بعد أن ذكر الأناجيل الأربعة يذكر أن اثنين منها فقط من عمل الحواريين الذين عاصروا المسيح عليه السلام، وهما متى ويوحنا؛ أما الآخرين فهما من عمل اثنين من السبعين الذين كانوا مع تلامذة المسيح والذين أُرسلوا مبشرين للوثنيين وهما مرقص ولوقا[62]. وينحو الجاحظ نفس المنحى ويذكر أن نقل النصارى مرده إلى أربعة أنفسٍ فقط قائلا: "إنما قبلوا دينهم عن أربعة أنفسٍ: اثنان منهم من الحواريين بزعمهم: يوحنا ومتى، واثنان من المستجيبة وهما: مرقش ولوقش."[63]، وما كان للقاضي عبد الجبار إلا أن يشير بدوره إلى فقدان التوراة للسند الصحيح المتصل[64]، أما ابن حزم فقد رد ادعاء تواتر مسألة صلب المسيح الذي تدعيه النصارى، وبين أن هذه الحادثة لا تتوفر فيها شروطُ التواتر؛ لأن صلب المسيح عليه السلام لم يقله قط كافة ولا صح بالخبر قط وأن نقل خبر صلب المسيح عليه السلام يرجع إلى شُرَطٍ مأمورين مجتمعين مضمون منهم الكذب وقبول الرشوة على قول الباطل[65].

واهتمام المسلمين باتصال السند وانقطاعه كمنهج علمي يهدف إلى إثبات صحة الرواية من عدم صحتها قبل اعتمادها هو نفس ما يُعرف في المنهج التاريخي بنقد الدقة والأمانة[66].

ü    النقد الخارجي لأسفار الكتاب المقدس عند ابن حزم:

ويعتبر ما قام به ابن حزم سابقة في تاريخ نقد العهد القديم، إذ يعتبر أول ناقد –قبل ابن عزرا وسبينوزا- لجأ في نقده لأسفار التوراة وأسفار العهد القديم إلى سلوك طريقين منهجين حاول من خلالهما نفي النسبة الإلهية عن هذه الأسفار المزعومة، أولهما تتبع الأحداث التاريخية التي عاشها بنو إسرائيل اعتماداً على سفْري الملوك وأخبار الأيام؛ فتتبع حال التوراة لبيان فقدانها إلى السند وإثبات تحريفها، وقد كشف عن هذا الهدف في قوله: "ونحن نصف إن شاء الله تعالى حال كون التوراة عند بني إسرائيل من أول دولتهم إثر موت موسى عليه السلام إلى انقراض دولتهم إلى رجوعهم إلى بيت المقدس إلى أن كتبها لهم عِزْرا الوراق بإجماعٍ من كتبهم واتفاقٍ من علمائهم دون خلاف يوجد من أحد منهم في ذلك وما اختلفوا فيه من ذلك نبهنا عليه ليتيقن كل ذي فهم أنها محرفة"[67]. وقد قسم ابن حزم تاريخ بني إسرائيل بعد وفاة موسى إلى فتراتٍ: فترة يشوع والقضاة، فترة مملكة داود وسليمان، وفترة انقسام المملكة إلى مملكة الشمال ومملكة الجنوب، وتتبع حال التوراة في كل هذه الفترات، وركز فيها على إبراز انتشار الكفر في صفوف بني إسرائيل وكثرة رِدَّة مُدبريهم وملوكهم منذ موت موسى عليه لبسلام إلى عهد أول ملك لهم وذلك في قوله: "فاعلموا الآن أنه كان مذ دخلوا الأرض المقدسة إثر موت موسى عليه السلام إلى ولاية أول ملك لهم وهو شاوُل المذكور سبع ردات فارقوا فيها الإيمان وأعلنوا عبادة الأصنام..، فتأملوا أي كتاب يبقى مع تمادي الكفر ورفض الإيمان هذه المُدد الطوال"[68]، وبعد نفي ابن حزم الإيمان عن جميع ملوك مملكة الشمال، بَّين انتشار الكفر بين صفوف الكهنة الهارونيين أنفسهم أمثال "ابني الكوهن عالى الهاروني وغيرهما ممن يقرؤون في كتبهم أنهم خدموا الأوثان وبيوتها من بني هارون وبني لاوي"[69].

أما المنهج الثاني الذي اتبعه ابن حزم في نقد التوراة وأسفار العهد القديم فهو منهج نقد المتن أو النقد الداخلي كما يعرف اليوم؛ ويتمثل في الوقوف مع النص ودراسته دراسة دقيقة لبيان التناقض والأخطاء الواردة فيه، وقد أشرنا إليه أعلاه عند ذكرنا لاهتمام المسلمين باستخراج التناقض والاختلاف بين نصوص الكتب السماوية السابقة، لذلك اكتفينا هنا بالإشارة إلى النقد الخارجي الذي تميز به ابن حزم عن غيره من النقاد المسلمين أو الغربيين[70].

ولم يقتصر علماء الإسلام في نقدهم للكتب المقدسة على ما ورد في هذه الأخيرة فحسب، بل تعدوها إلى أقوال كبار المؤرخين والعلماء اليهود والمسيحيين كما لجأوا إلى تفسيراتهم ومؤلفاتهم الدينية فتكونت لديهم فكرة واضحة عن عقائدهم وفِرقهم وأدركوا كيفية تعاملهم مع نصوصهم وكيف فهموها وبنوا عليها عقائدهم. فكانت هذه المؤلفات بالنسبة للمسلمين مرآة تعكس الفهم والآراء التي كونها الأحبار اليهود والآباء الكنسيون حول نصوصهم الدينية.

لهذا نجد كثيرا من علماء مقارنة الأديان المسلمين يشيرون في ردودهم على اليهود والنصارى إلى أقوال بعض الأحبار والآباء الكنسيين وإلى بعض المؤلفات اليهودية والمسيحية المعتمدة لدى كل جانب، فقد استعان ابن حزم بتاريخ يوسيفوس من أجل معرفةٍ أكبر بتاريخ بني إسرائيل، وهو مؤرخ يهودي مازال موضع استشهاد من لدن النقاد الغربيين إلى اليوم، وقد ذكره ابن حزم عند حديثه عن الفرق اليهودية خاصة العيسوية التي تؤمن بالمسيح عليه السلام، واعتبره من اليهود الذين آمنوا به عليه السلام، وهو ما استخلصه من تاريخه عند ذكره ليوحنا المعمدان وللمسيح عليهما صلوات الله وسلامه[71].

واستعان ابن حزم أيضا في رده على اليهود بما ورد في التلمود[72] وأشار في أكثر من موضع إلى أقوال ابن النِّغْرِيلَّة اليهودي ورد عنها[73].

أما النصارى فلم يقتصر على أسفار العهد الجديد بل طالع كل مؤلفاتهم الأخرى التي وضعها القساوسة والأساقفة[74]، ويؤكد اطلاعه على هذه المؤلفات المسيحية إيراده لأقوال مختلف الفرق المسيحية، وبيان اعتقادهم في طبيعة المسيح وفي الاتحاد وكيفيته[75].

أما أبو العباس القرطبي فقد استعان بما ألفه القديس أُغِسْطين في رده على أقوال خصمه، جاعلا من هذه الأقوال حجة عليه "ولو كنتَ ممن له في النظر نصيب لضربت فيه بسهم مصيب ولاقتديت بمعلمكم الأزعم وأسقفكم الأعظم أغشتين فها هو يقول في مصحف العالم الكائن في أول ورقة منه ينبغي أن يجعل الكلام في النظريات على منازلَ ودرجاتٍ ليكونَ من اجتمع معنا في الدرجة الأولى تكلمنا معه في الدرجة الثانية، ومن اجتمع معنا في الدرجة الثانية تكلمنا معه في الدرجة الثالثة، ثم نمضي كذلك إلى أقصى نهايات الكلام"[76] واستشهد بأقوال هذا القسيس في ستة عشر موضعا خصوصا أقواله في الاتحاد[77]، وراجع أيضا كثيرا من أقوال الآباء الكنسيين أمثال شباليش، وأريش، ودنونيشيش، وأونوميش، وأوتفش، وترتليان، وأربد، ونمرشيش، وأوريان، وفرشاط ومرحيون، وشلبانش[78].

الخاتمة

حاول هذا البحث في هذه الوريقات بيان الأخطاء التي ارتكبها مؤرخو حركة نقد الكتاب المقدس الغربيون بتغييبهم المقصود لمساهمة الفكر الإسلامي، وذلك بالوقوف مع كتابين يتميزان في نظر أصحابهما "بالموسوعية والموضوعية"، فبينا كيف تجاوز كل منهما مرحلة ازدهار الحضارة الإسلامية خاصة في الأندلس، وغيّبا إسهامات علمائها في نقد الكتب المقدسة، كما رام البحث من جهة ثانية إبراز مساهمة المسلمين في تأسيس صرح علم يدّعي الغرب اليوم قصب السبق فيه، من خلال رصد الملامح الكبرى للمناهج الغربية في نقد النصوص عند المسلمين وهما: النقد الفيلولوجي والنقد التاريخي، مبرزا أن الأسس التي يقوم عليها المنهجان سبق المسلمون إلى إرسائها، بدليل اهتمامهم باللغة التي حررت بها هذه النصوص ومقارنة نسخها المختلفة واستعانتهم بكل العلوم الأخرى لبيان تناقضات النصوص الدينية اليهودية والمسيحية، كما وظفوا معارفهم في علوم الحديث لرد كل الروايات الدينية لأهل الكتاب، بل إن مضمون منهجهم في الحديث هو نفسه الذي يقوم عليه منهج النقد التاريخي.

وعليه يمكننا استخلاص النتائج التالية:

1.                أن القرآن هو المؤسس الحقيقي لعلم الأديان.

2.                أن القرآن هو المصدر الأول لعلماء الإسلام الذي استمدوا منه أدلتهم وحججهم في الرد على اليهود والنصارى، ومن خلاله تعرفوا على المخالف وانفتحوا عليه متبعين في ذلك الخطوات التي خطها القرآن في مخاطبة الآخر ودعوته إلى الحق.

3.                أن المسلمين استعملوا المناهج العلمية التي لم تكتشف إلا حديثا كالمنهج الفيلولوجي والمنهج التاريخي، إلا أنهم استعملوا مصطلحاتهم وعباراتهم الخاصة، فاستعولوا مصطلح الضبط والعدالة، في حين استعمل النقد الغربي مصطلح نقد الدقة والأمانة، ومضمونهما واحد.

4.                أن كتابات علماء الإسلام عموما والإمام ابن حزم على الخصوص كانت إلى جانب القرآن المصدر الذي اعتمد عليه النقاد الغربيون في دراستهم لكتبهم المقدسة.

من هنا يتبين لكل مهتم بهذا المجال أن ما قام به علماء الغرب أمثال سبينوزا ورشار سيمون وغيرهم كان نتيجة لاطلاعهم بشكل مباشر أو غير مباشر على النص القرآني أولا، ثم على أعمال علماء الإسلام ومؤلفاتهم النقدية التي جعلت من الكتب السماوية السابقة موضوعا لها.


مصادر البحث ومراجعه

ابن النديم، "الفهرست"، دار المعرفة- بيروت، 1398هـ/1978م.

ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمان عميرة، دار الجيل، بيروت الطبعة الثانية 1996، الجزء الثاني.

إسلامبولي، سامر ظاهرة النص القرآني تاريخ ومعاصرة، رد على كتاب النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة للدكتور الطيب تيزيني، دار الأوائل دمشق، الطبعة الأولى 2002.

البخاري، محمد بن إسماعيل صحيح دار ابن كثير اليمامة مراجعة مصطفى ديب البغا بيروت 1987م 1407هـ.

بدوي عبد الرحمان (مترجم)، النقد التاريخي: المدخل إلى الدراسات التاريخية لانجلوا وسينوبوس، نقد النصوص لبول ماس، والتاريخ العام لإمانويل كانط، دار النهضة العربية 1963.

البيروني، أبو الريحان، ت440هـ صح عن النسخة القديمة المحفوظة في المكتبة الأهلية بباريس بإعانة وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية حيدرآباد الدكن الهند 1377هـ/1958م السلسلة الجديدة من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية11،.

الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر المختار في الرد على النصارى، تحقيق محمد عبد الله الشرقاوي، دار الجيل بيروت لبنان مكتبة الزهراء القاهرة الطبعة الأولى 1411هـ/1991.

الخيالي، عبد الحميد محقق، رسالتان في الرد على اليهود، الرسالة الأولى لأبي محمد عبد الحق الإسلامي، لحسام الممدود في الرد على اليهود، والثانية الرد على من قال بأفضلية بني إسرائيل على العرب للسلطان العلوي الشريف أبي الربيع سليمان محمد بن عبد الله بن إسماعيل، دراسة وتحقيق منشورات علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1422هـ/2001م.

زالمان شازار، "تاريخ نقد العهد القديم من أقدم العصور حتى العصر الحديث" تحرير: ترجمة: أحمد هويدي تقديم ومراجعة: محمد خليفة حسن، المشروع القومي للترجمة 204 المجلس الأعلى للثقافة 2000.

الزين، محمد فاروق "المسيحية والإسلام والاستشراق"، دار الفكر- دمشق، الطبعة الأولى: 1421هـ-2000م،

شحلان، أحمد أ.عبد العزيز بن عبد الله، د.محمد المختار ولد أباه، د. عبد العزيز شهبر، د.هبة نايل بركات؛ لغات الرسل وأصول الرسالات موسى-عيسى- محمد عليهم الصلاة والسلام. الرباط، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة- إيسيسكو 1423هـ/2002م.

شحلان، أحمد ابن رشد والفكر العبري الوسيط فعل الثقافة العربية الإسلامية في الفكر العبري اليهودي، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، الطبعة الأولى 1999.

الشرقاوي، محمد عبد الله بحوث في مقارنة الأديان، دار الفكر العربي 1410هـ/2000م.

شريف، محمد هاشم، "الإسلام والمسيحية في الميزان"، مؤسسة الوفاء بيروت الطبعة الأولـى 1409هـ / 1988م.

شفيق، منير، "الإسلام في معركة الحضارة"، الناشر للنشر والتوزيع والإعلان بيروت لبنان، دار البراق للنشر تونس، الطبعة الأولى 1411هـ/1991م.

طه، عزية علي "منهجية جمع السنة وجمع الأناجيل دراسة مقارنة"، مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية 1410هـ/1996.

العك، الشيخ خالد عبد الرحمن، "الفرقان والقرآن" دار الحكمة، الطبعة الأولى 1414هـ- 1994م

قاموس الكتاب المقدس، تأليف نخبة من الأساتذة اللاهوتيين، مجمع الكنائس في الشرق الأدنى، الطبعة الثانية بيروت 1971.

القرطبي، "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام و إظهار محاسن الإسلام وإثبات نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام"، تقديم وتحقيق: أحمد حجازي السقا، دار التراث العربي، للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة.

الكتاب المقدس: الأسفار القانونية الثانية" مكتبة المحبة.

الكلاّم، يوسف، "تاريخ وعقائد الكتاب المقدس بين إشكالية التقنين والتقديس، دراسة في التاريخ النقدي للكتاب المقدس في الغرب المسيحي"، تقديم الدكتور عبد المجيد الصغيّر، دار صفحات للدراسات والنشر الطبعة الأولى 2009.

مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، "صحيح مسلم"، دار إحياء التراث العربي مراجعة محمد فؤاد عبد الباقي بيروت 1954م/1374هـ.

"الموسوعة العربية الميسرة"، تأليف لجنة من العلماء والباحثين، إشراف محمد شفيق غربال، دار نهضة لبنان للطبع والنشر، بيروت، 1401هـ/1981م.

الهمداني، القاضي عبد الجبار، "المغني في أبواب التوحيد والعدل"، قوم نصوصه على نسختين خطيتين أمين الخولي بإشراف طه حسين، وزارة الثقافة والإرشاد القومي الإدارة العامة للثقافة الطبعة الأولى 13800ـ/1960م القاهرة مطبعة دار الكتب الشركة العربية للطباعة والنشر، الجزء 16.

ول ديورانت، "قصة الحضارة" ترجمة عبد الحميد يونس، طبعة القاهرة: 1971م-1972م.

يوسيفوس، بن كربون "تاريخ يوسيفوس" المطبعة العلمية بيروت.

المصادر الأجنبية

Collomp P. la critique textuelle, publication de la faculté des lettres de l’université de Strasbourg, Paris, Société d’éditions  les Belles lettres initiation méthode fascicule 6.

Delaunay, Ferdinand Philon d’Alexandrie, Écrits historiques, influence, luttes et persécutions des juifs dans le monde romain, Paris librairie académique, Dedier et Cie, Librairies-Editeurs, 1867.

Encyclopedia universalis, encyclopedia universalis éditeur Paris 1989, Corpus 4.

Genicot,L. Critique historique Louvain-La-neuve, Librairie Editeur, 1979.

Simon, Richard Histoire critique du vieux testament, Rotterdam 1685. MINIRVA, G.M.B.H, Unveränderter Nachdruck-frankfurt 1967.

TARTAR, Georges dialogue islamo-chrétien sous le calife ALMA’MUN (813-843) les épîtres d’ALHACHIMI et d’ALKINDI thèse de doctorat de 3éme cycle présenté par Georges TARTAR pasteur professeur d’arabe 1977 université des sciences humaine de Strasbourg faculté de théologie protestante.

Vajda Georges, introduction à la pensée juive du moyen âge, Paris, J.Vrin, 1947. In 8° (études de philosophie médiévale,  XXXV).


 


[1] منير شفيق، الإسلام في معركة الحضارة، الناشر للنشر والتوزيع والإعلان بيروت لبنان، دار البراق للنشر تونس، الطبعة الأولى 1411هـ/1991م، ص: 28-29

[2] محمد عبد الله الشرقاوي، بحوث في مقارنة الأديان، دار الفكر العربي 1410هـ/2000م

[3] زالمان شازار، "تاريخ نقد العهد القديم من أقدم العصور حتى العصر الحديث" تحرير: ترجمة: أحمد هويدي تقديم ومراجعة: محمد خليفة حسن، المشروع القومي للترجمة 204 المجلس الأعلى للثقافة 2000.

[4] زالمان شازار تاريخ نقد العهد القديم..، ص: 18.

[5] نص "الماسورا" نسبة إلى "الماسوريين" وهم جماعة من علماء اليهود تقلدوا مهمة إعادة بناء النص وتقويمه، ولتحقيق هذا الهدف كان هؤلاء يكتبون التصحيحات التي يرونها لازمة لقراءة صحيحة للنص في الهامش، ومجموع هذه الهوامش التصحيحية يسمى "ماسورا" أي تقليد، وكانت هذه التصحيحات لا تمس المتن ولا تحدث به تغييرا وإنما وضعت كما ذكرنا بالهامش وأشير إليها في المتن بوضع دائرة أو علامة على الكلمة المراد تصحيحها، وتسمى "كتيب" أي المكتوب ويسمى التصحيح الذي في الهامش "قِرء" أي المقروء.

واخترع الماسوريون بالإضافة إلى ذلك نظام التنقيط والتشكيل وأدخلوه على النص، فالعبرية كمثيلاتها من اللغات السامية لا تحتوي في الأصل على حروف المد والتشكيل، "فلم يكن النص الأصلي المشار إليه مشكولا حتى القرن السادس الميلادي، بل كانوا يستعملون حروف العلة علامات، فالألف علامة للفتح، والواو للضم، والياء للكسر. وفي أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الميلادي وضع "النقديم" علماء النقط نظاما جديدا قوامه النقط والخطوط، وقد تأثروا في ذلك بنظام الحركات لدى السريان والعرب… وأتم أهل الماسورا لنقل النص بطريقة موثوقة، عمل النقديم فيما بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين"، أحمد شحلان، أ.عبد العزيز بن عبد الله، د.محمد المختار ولد أباه، د. عبد العزيز شهبر، د.هبة نايل بركات؛ لغات الرسل وأصول الرسالات موسى-عيسى- محمد عليهم الصلاة والسلام. الرباط، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة- إيسيسكو 1423هـ/2002م، ص: 58.

وقد شرح القس Richard SIMON  كلمة "ماسورا" بكلمة تقليد باعتبار أن هذا العمل الذي قام به هؤلاء اليهود هو تقليد تسلموه عن الآباء، ونقل عن Buxtorfe قوله أن هذا العمل هو عمل نقدي للنص العبري قام به الآباء اليهود الأوائل فعدوا به فقرات وكلمات وحروف النص ولاحظوا كل الاختلافات بهدف المحافظة على النص من التغيير.

Richard SIMON Histoire critique du vieux testament, Rotterdam 1685. MINIRVA, G.M.B.H, Unveränderter Nachdruck-frankfurt 1967, p.131.

[6] زالمان شازار "تاريخ نقد العهد القديم من أقدم العصور حتى العصر الحديث"، ص: 17.

[7] زالمان شازار "تاريخ نقد العهد القديم من أقدم العصور حتى العصر الحديث"، ص: 71

[8] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا دار الطليعة بيروت الطبعة الرابعة 1997 ص: 266

[9] أبرهام بن عزرا مفسر ونحوي وفيلسوف وفلكي يهودي ولد في طليطلةTudela  بالأندلس، وهو أحد الأعلام الكبار في الفكر اليهودي في العصر الوسيط. تنقسم حياته إلى مرحلتين مرحلة الاستقرار بالأندلس ومرحلة الترحال في أوروبا، أنجب أبرهام سة أبناء أشهرهم إسحاق الذي ترك اليهودية واعتنق الإسلام مما دفع بوالده إلى مغادرة الأندلس وبداية المرحلة الثانية من حياته مرحلة الترحال. خلال مرحلة الترحال هاته كتب أبرهام بن عزرا كل مؤلفاته، ألف رسالته في النحو "ميزان اللغة المقدسة"، وشرحه الصغير على الأخماس، وفي سنة 1147م رحل من إيطاليا في اتجاه جنوب فرنسا ثم في اتجاه الشمال، وهناك كتب شرحه الكبير على الأخماس الذي بقيت منه فقط بعض الأجزاء المتعلقة بسفر التكوين والخروج، وبعض التعاليق على سفر دانيال والمزامير وإستير ونشيد الأناشيد والأنبياء الاثني العشر الصغار. وفي سنة 1158م رحل إلى لندن وكتب كتابه الفلسفي شرح الوصايا Yesod Mora.

لمعرفة المزيد عن شخصية أبرهام بن عزرا يمكن الرجوع إلى الموسوعتين: encyclopédia universalis  أو jewish encyclopédia أو كتاب:

Vajda Georges, introduction à la pensée juive du moyen âge, Paris, J. Vrin, 1947. In 8° (études de philosophie médiévale,  XXXV).

[10] راجع الهامش السابق.

[11] يمكن الرجوع إلى كتاب الدكتور أحمد شحلان، ابن رشد والفكر العبري الوسيط فعل الثقافة العربية الإسلامية في الفكر العبري اليهودي، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، الطبعة الأولى 1999، حيث تحدث في الفصل الرابع من القسم الثاني عن حركة الترجمة من العربية إلى العبرية ودواعيه، ص: 523-532.

[12] "المدرشيم، ومفرده "مِدْرَشْ" من الجذر "دَرَشَ" أي درس، وهو نفس الجذر العربي. ويعني المصطلح كل الدراسات التفسيرية والتشريعية، والاجتهادات والقواعد الأخلاقية، المبنية على النص المقدس، والتي يذهب أصحابها فيها بعيدا عن ظاهر النص لينفذوا إلى أعماقه، وليستنبطوا منه استنباطات لا تترك جانبا من جوانب الكتاب إلا واستفادت منه. وينقسم إلى: - مدرش هلخا ويتناول النص بالتفسير والبحث والاستنباطات التشريعية وقد يختص الدرس بجانب معين من جوانب التشريع. – مدرش هكدا: وهو درس يُتوسع فيه، في الأخبار والروايات التاريخية، ويستخرج منه الدَّرْشان (الواعظ أو الفقيه) تفاسير وتأويلات تناسب الواقع الحال الذي عليه اليهود إبانها."، أحمد شحلان، لغات الرسل، ص: 74.

[13] هي الأسفار الزائدة لدى الكاثوليك، ويطلق البروتستانت عليها اسم "الأبوكريفا" أو المنحولة، وهي كلمة "معناها المخفية وهم يعتبرونها بهذا المسمى من وجهة نظرهم أسفارا مدسوسة لأنها لا ترقى إلى مستوى الوحي الإلهي ولأنها كما يقولون تضم موضوعات غير ذات أهمية وخرافات لا يقبلونها." "الكتاب المقدس: الأسفار القانونية الثانية" مكتبة المحبة، ص: 5 من مقدمة الفصل الثاني. أما الكاثوليك فيطلقون عليها اسم الأسفار القانونية الثانية، وعلى أسفار العهد القديم الأخرى الأسفار القانونية الأولى.

[14] بولس الرسول (10-67): أحد أبرز الشخصيات الكنسية الأولى في تاريخ المسيحية. كان رسولاً ومعلماً للأمم، وعُرف برسول الوثنيين. كان اسمه شاول قبل أن يعتنق المسيحية. وكان أكبر مضطهد للكنيسة في فلسطين قبل هدايته. لكن بعد اعتناقه المسيحية ادعى أنه رسول مبعوث من السيح، فنهض يبشر بالمسيحية في جميع أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط، وكلن السبب في ما عرفته المسيحية من انحراف في العقيدة والشريعة.

يمكن الرجوع إلى سفر أعمال الرسل فهو يحكي سيرة القديس بولس، الإصحاح الثامن وما يليه.

[15] فيلون السكندري فيلسوف ومثـقـف، ولــد أيــام هيـرود الأكـبر، وتـوفى عـام 54م، أي أنه فرضاً يُعـد معاصراً تماماً ليسوع، وهـو شـديـد الإلمام بكل ما يتعلق باليهود، وتتضمن أعماله 57 عملاً، منها كتاب بعنوان: "عصر بيلاطس". ويُعـد فيـلون من كبار مـثـقـفي عصره وأنه شـديد الأمانه الموضوعية ومشهود له بأنه لا يغــفل كبيرة ولا صغيرة في الموضوع الـذي يتناوله. ومع ذلك لم يذكر شيئا عن المسيح عليه السلام مع أنه ذكر كل الطوائف اليهودية في القرن الأول ووقف وقفة طويلة مع فرقة الإسينيين أكثر من الفريسيين وهي الفرقة التي ينتمي إليها. سافر فـيلـون إلي رومــا لمقابلة الإمبراطور الـرومـاني كاليجـولا دفـاعاً عن اليهود ضحايا الاضطهاد الـدامي سنة 39 في الإسكندرية. فاستقبله كاليجولا لكنه لم يستجب لمطلبه..

وكان فـيلون تـلميذاً لأفـلاطـون، صاحب نظـرية "اللوجس" أو "الكلمة" وما أكثر ما كتبه عنها وعن العـلاقة بين الله العــالِم بكل شيء وبين تلك الـدنيا بنواقـصها. وسرعان ما جعل من "الكـلمة" كائناً مستـقلاً قـد خـلق كل شيء لأنه يحتوي على الصفات الإلهية، وكل المخلوقات نتجت عنه وهـو غير مخلوق ومنبثق من الله ذاتـه.. وما أشبه بذلك ببـداية إنجيل يوحنا الذي يـبدأ بعبارة: "وفي البدء كانت الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله" (1:1). وفي هذا دليل على أن فكرة "الكلمة" كانت واردة في الـفكر الفلسفي في القرن الثاني قبل الميلاد وقبل بعثة المسيح. يمكن الرجوع للمزيد من المعلومات عن فيلون الإسكندري إلى كتاب:

Ferdinand Delaunay, Philon d’Alexandrie, Écrits historiques, influence, luttes et persécutions des juifs dans le monde romain, Paris librairie académique, Dedier et Cie, Librairies-Editeurs, 1867, p. 14 et suiv.

يمكن الرجوع أيضا إلى قاموس الكتاب المقدس، تأليف نخبة من الأساتذة اللاهوتيين، مجمع الكنائس في الشرق الأدنى، الطبعة الثانية بيروت 1971، ص: 903. والموسوعة العربية الميسرة، تأليف لجنة من العلماء والباحثين، إشراف محمد شفيق غربال، دار نهضة لبنان للطبع والنشر، بيروت، 1401هـ/1981م ص: 1353. يمكن الرجوع أيضا لكتابنا تاريخ وعقائد الكتاب المقدس بين إشكالية التقنين والتقديس، دراسة في التاريخ النقدي للكتاب المقدس في الغرب المسيحي، تقديم الدكتور عبد المجيد الصغيّر، دار صفحات للدراسات والنشر الطبعة الأولى 2009، ص: 223-226.

[16] أوريجين Origenes  واحد من أبرز آباء الكنيسة في الشرق والغرب، ولد في الاسكندرية، من أسرة مسيحية. فقد قضى والده نحبه عام 202، مما اضطره، وهو أكبر ستة أخوة، أن يعول الأسرة،. وبما أنه كان يملك ثقافة دينية ودنيوية عالية فقد أخذ يدرّس البلاغة، ولكنّه نظّم في الوقت نفسه، دروساً في الدين اتسع تأثيرها. وقد اجتمع حوله عدد متزايد من التلاميذ، بفضل ذكائه وجودة تعليمه وسمو سيرته، واشتهر بنشر عمله المعروف بالسداسيات Les Exaples وهو عبارة عن كتاب مكون من ستة أعمدة اشتملت على النص العبري للتوراة وترجماته اليونانية، وهو دراسة نقدية لنص الكتاب المقدس، له كتب أخرى أشهرها كتاب "المبادء الأولى"، وكتاب "معارضة سلسوس"، وحاول أن يوفق بين العقيدة المسيحية والفلسفة اليونانية، وكان يعتقد أن روح القدس شخص متميز وأقل مرتبة من الإبن ومخلوق به، وأن قدرة الأب فوق قدرتهما معا. الموسوعة الميسرة العربية الميسرة، ص: 261، وكتابنا تاريخ وعقائد الكتاب المقدس.. المشار إليه في الهامش أعلاه، ص:129.

[17] الشهيد لوسيان أو لوقيانوس الإنطاكي وُلد في ساموساطا Samosata بسوريا، كان تقيا إذ وزّع كل ما ورثه على المساكين وتتلمذ على يديّ مكاريوس في الرُها الذي كان يفسر الكتاب المقدس في مدينة أرفا. بين حياة الهدوء والخدمة أصبح خبيرًا عظيمًا في فن الفلسفة والبلاغة، وقد أعد نفسه لدراسة الكتب المقدسة، إذ كان مقتنعًا أن واجبه ككاهن يحتم عليه أن يكرس وقته ونفسه بالكامل لخدمة الله والناس، لم يكتفِ فقط باقتناء الفضائل بالكلام والقدوة ولكن تعهد بمراجعة الكتاب المقدس بعهديه حتى تتطابق ترجماته المختلفة. قام بمراجعة التوراة إما بمقارنتها بالطبعات القديمة أو عن طريق النسخة العبرية كونها اللغة التي كتب بها الكتاب المقدس، ومن المؤكد أن نسخة القديس لوسيان نالت تقديرًا عظيمًا، وكانت ذات فائدة عظيمة للقديس جيروم. أنشأ بأنطاكية مدرسة لدراسة الكتاب المقدس مجّانًا. وكان ينفق على نفسه من النسخ حيث اتسم بالخط الجميل وسرعة الكتابة، يقال أنه تأثر لفترة طويلة ببولس الساموساطي الهرطوقي الذي أدين في إنطاكية عام 269.

[18] الأكويني، القديس توما ( Thomas Aquinas 1225؟ - 1274م). كان أحد أشهر الفلاسفة وعلماء اللاهوت الذين عرفتهم العصور الوسطى في الغرب بتأثيره البالغ على الفكر النصراني وبصفة خاصة على مذهب الروم  الكاثوليك. استفاد توما كثيرًا من الفلاسفة المسلمين كابن سينا وابن رشد. وسعى إلى الجمع مابين تعاليم الفلسفة الأرسطية، التي تلقاها عن طريق الفلسفة الإسلامية والعقيدة النصرانية، ودلّل على ذلك بعدم وجود اختلاف بين العقلانية والإيمان. فالفلسفة أساسها العقل، أما اللاهوت فينشأ من الإيمان بالوحي الإلهي. وكان على يقين من أنه ينشأ من الاستدلال المنطقي.كما أكد على أن بإمكان العقل أن يصير ركيزة للإيمان.

[19] Encyclopedia universalis, encyclopedia universalis éditeur Paris 1989, Corpus 4, page :89

[20] يمكن الرجوع إلى كتابنا تاريخ وعقائد الكتاب المقدس.. فقد فصلنا القول في نظريات هؤلاء النقاد، عند حديثنا عن نقد الأناجيل الأربعة، ص: 206 وما يليها.

[21] سورة الصف الآية 8

[22] سورة البقرة: 136

[23] تاريخ نقد العهد القديم.. ص:6-7.

[24] سورة النساء، الآية: 46

[25] سورة البقرة، الآية: 146

[26] سورة الأنعام:91

[27] سورة المائدة، الآية: 13

[28] سورة فاطر، الآيات: 19-22

[29] سورة الإسراء، الآية: 88

[30] محمد فاروق الزين، "المسيحية والإسلام والاستشراق" دار الفكر- دمشق، الطبعة الأولى: 1421هـ-2000م، ص: 68.

[31] سورة الأنعام، الآيات:148-149

[32] سورة البقرة، الآية:111

[33] يذكر ابن النديم في الفهرست أن أحمد بن عبد الله بن سلام ترجم للخليفة هارون الرشيد التوراة والإنجيل وأنه تحرى الدقة في الترجمة. من كتاب الفهرست، دار المعرفة- بيروت، 1398هـ/1978م، ص: 33. مما يؤكد وجود ترجمة عربية لكتب العهدين القديم والجديد منذ أواخر القرن الثاني للهجرة، ويذكر في مكان آخر أن: الحسن النوبختي متكلم فيلسوف كان يجتمع إليه جماعة من النقلة لكتب الفلسفة، مثل أبي عثمان الدمشقي وإسحاق وغيرهما… قد نسخ بخطه شيئا كثيرا وله مصنفات وتأليفات في الكلام والفلسفة وغيرهما وتوفي وله من الكتب كتاب "الآراء والديانات" ولم يتمه". الفهرست ص:251

[34] لمعرفة المزيد عن دور القرآن التأسيسي في علم مقارنة الأديان، يمكن الرجوع إلى كتاب الدكتورة نادية الشرقاوي، "منهج القرآن الكريم في الرد على المخالفين من اليهود والنصارى"، دمشق دار صفحات للدراسات والنشر، الإصدار الأول 2010، الفصل التمهيدي ص: 10 وما يليها.

[35] الشيخ خالد عبد الرحمن العك، "الفرقان والقرآن" دار الحكمة، الطبعة الأولى: 1414هـ- 1994م، ص: 185.

[36] سلسوس كاتب وثني (حوالي 178م) له مؤلف كبير ضد المسيحية انتقد فيه الكتاب المقدس بعهديه وعقائد التثليث والتجسد والقيامة. يمكن الرجوع لمزيد من المعلومات عن هذه الشخصية لموسوعة encyclopédia uiversalis  مادة Celse. وقد رد عليه القديسOrigéne  -وهو أحد الآباء المسيحيين الكبار- في كتابه "ضد سلسوس". ومن اعتراضات سلسوس على الكتاب المقدس قوله: "أي رجل عاقل يصدق أن اليوم الأول والثاني والثالث، وأن المساء والصباح قد كانت كلها من غير شمس أو قمر أو نجوم؟ وأي إنسان تصل به البلاهة إلى حد الاعتقاد أن الله قد زرع جنة عدن كما يزرع الفلاح الأرض وغرس فيها شجرة الحياة حتى إذا ذاق إنسان من ثمرتها نال الحياة؟ كما سخر من وضع المسيحيين المتشرذم آنذاك حين قال: "إن المسيحيين تفرقوا شيعا كثيرة حتى أصبح هَمُّ كل فرد منهم أن يكون له حزبا " وفي رد Origéne   على سلسوس وبدلا من تسفيه حججه وهرطقاته رأيناه وهو يرد عليه وكأنه يوافقه على أمور خطرة، فقال: "إن كل صعوبة وكل فكرة بعيدة عن المعقول في العقيدة المسيحية يقابلها في الوثنية آراء أصعب منها وأبعد عن العقل" قصة الحضارة وول ديورانت الجزء 11 ص: 314 وبذلك جعل المسيحية على مسافة قريبة جدا من الوثنية، انظر كتاب شريف محمد هاشم، "الإسلام والمسيحية في الميزان"، مؤسسة الوفاء بيروت الطبعة الأولـى 1409هـ / 1988م ص: 89-90

[37] الإعلام بما في دين النصارى…: القرطبي، ص: 220

[38] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمان عميرة، دار الجيل، بيروت الطبعة الثانية 1996، الجزء الثاني،  ص: 82.

[39] ابن حزم، الفصل في الملل والأهوا والنحل، الجزء الأول، ص: 113.

[40] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الثاني ص: 14 -13.

[41] الفصل في الملل والأهواء والنحل ص: 207-208و 276 الجزء الأول.

[42] للمزيد من المعلومات عن علم الفيلولوجيا وعلاقته بنقد الكتب المقدسة في الفكر المسيحي الغربي، يمكن الرجوع إلى كتابنا: "تاريخ وعقائد الكتاب المقدس بين إشكالية التقنيني والتقديس: دراسة في التاريخ النقدي للكتاب المقدس في الغرب المسيحي"، ص: 36-49.

[43] تعرضP. Collomp   لأهمية المقارنة بين النسخ وطرق معالجتها في كتابه: Critique textuelle  ص:29 وما يليها، يمكن الرجوع أيضا إلى كتاب

L. Genicot, Critique historique Louvain-La-neuve, Librairie Editeur, 1979 p. 38 et suiv.

[44] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الثاني، ص:23

[45] رسالتان في الرد على اليهود، الرسالة الأولى لأبي محمد عبد الحق الإسلامي، لحسام الممدود في الرد على اليهود، والثانية الرد على من قال بأفضلية بني إسرائيل على العرب للسلطان العلوي الشريف أبي الربيع سليمان محمد بن عبد الله بن إسماعيل دراسة وتحقيق عبد الحميد الخيالي، منشورات علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1422هـ/2001م، ص: 49.

[46] نفسه ص: 57.

[47] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص: 218.

[48] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص: 224.

[49] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص: 203-204.

[50] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الثاني، ص: 79.

[51] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص: 242، راجع أيضا ص: 216-217.

[52] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص: 213.

[53] لقد تعرض P. Collomp  بتفصيل لهذه الضوابط في كتابه:

la critique textuelle, publication de la faculté des lettres de l’université de Strasbourg, Paris, Société d’éditions  les Belles lettres initiation méthode fascicule 6, 1931, p.21-22.

[54] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص: 262-263.

[55] القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، قوم نصوصه على نسختين خطيتين أمين الخولي بإشراف طه حسين، وزارة الثقافة والإرشاد القومي الإدارة العامة للثقافة الطبعة الأولى 13800ـ/1960م القاهرة مطبعة دار الكتب الشركة العربية للطباعة والنشر، الجزء 16، ص: 136.

[56] أبو الريحان البيروني البيروني ت440هـ صح عن النسخة القديمة المحفوظة في المكتبة الأهلية بباريس بإعانة وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية حيدرآباد الدكن الهند 1377هـ/1958م السلسلة الجديدة من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية11، ص: 28-29.

[57] الشعراء آية: 214.

[58] صحيح البخاري دار ابن كثير اليمامة مراجعة مصطفى ديب البغا بيروت 1987م 1407هـ ج4 ص:1787 الرقم: 4492.

[59] سامر إسلامبولي، ظاهرة النص القرآني تاريخ ومعاصرة، رد على كتاب النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة للدكتور الطيب تيزيني، دار الأوائل دمشق، الطبعة الأولى 2002، ص: 24.

[60]  صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي مراجعة محمد فؤاد عبد الباقي بيروت 1954م/1374هـ الجزء 4 ص: 2298 الرقم 3004.

[61] جاء في كتاب "تذكرة الموضوعات" من قول جعفر بن محمد الطيالسي: "صلى أحمد بن حنبل وصاحبه يحيى بن معين في مسجد الرصافة فقام بين أيديهما قاصّ فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله خلق الله له منها طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان.. وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة... فلما فرغ من قصصه…قال له يحيى من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. فقال أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط من حديث رسول الله عليه السلام، فإن كان ولابد من الكذب فعلى غيرنا. فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم. قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق وما تحققته إلا الساعة. فقال له يحيى: كيف علمت أني أحمق؟ قال: كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما؟ قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين." نقلا عن منهجية جمع السنة وجمع الأناجيل دراسة مقارنة، عزية علي طه، مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية 1410هـ/1996 ص: 419-420.

[62] dialogue islamo-chrétien sous le calife ALMA’MUN (813-843) les épîtres d’ALHACHIMI et d’ALKINDI thèse de doctorat de 3éme cycle présenté par Georges TARTAR pasteur professeur d’arabe 1977 université des sciences humaine de Strasbourg faculté de théologie protestante pp. 8-9

[63] أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، المختار في الرد على النصارى، تحقيق محمد عبد الله الشرقاوي، دار الجيل بيروت لبنان مكتبة الزهراء القاهرة الطبعة الأولى 1411هـ/1991م، ص: 71.

[64] القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، مصدر سابق، الجزء 16، ص: 136 .

[65] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص: 123-124.

[66] للمزيد من المعلومات عن منهج النقد التاريخي، يمكن الرجوع إلى كتاب بدوي عبد الرحمان (مترجم)، النقد التاريخي: المدخل إلى الدراسات التاريخية لانجلوا وسينوبوس، نقد النصوص لبول ماس، والتاريخ العام لإمانويل كانط، دار النهضة العربية 1963.

[67] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص:287.

[68] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص:290.

[69] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص: 300-301.

[70] حاول سبينوزا أن يبين قيمة إثبات سند الكتب الدينية من خلال معرفة إلى من تنسب هذه الكتب، خاصة إذا كانت تشتمل على أمور غير معقولة، أو منافية للواقع، إذ الأصل الإلهي المزعوم لها يحتم عدم تناقضها مع العقل أو الواقع المشهود. إلا أنه من حيث التطبيق لم يطبق سوى منهج النقد الداخلي على النصوص التوراتية، مكتفيا بالإشارة إلى الاضطراب الذي يعرفه النص التوراتي وبيان تناقض الأفكار التي يعاني منها معتمدا في ذلك على أقوال ابن عزرا أساسا مضيفا بعض الملاحظات التي تفرد بها والتي لم يشر إليها ابن عزرا، وإن لم تكن ملاحظاته تلك جديدة فقد سبقه إليها ابن حزم بقرون.

[71] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص:179. راجع أيضا تاريخ يوسيفوس بن كربون اليهودي المطبعة العلمية بيروت ص: 213-214.

[72] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص:324.

[73] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص: 225 وص:245.

[74] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الثاني، ص: 15.

[75] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص: 109 وما بعدها.

[76] أبو العباس لقرطبي، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام و إظهار محاسن الإسلام وإثبات نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام تقديم وتحقيق: أحمد حجازي السقا، دار التراث العربي، للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة ص: 57-58

[77] نفسه ص: 57-58-60-69-72-81-82-86-89-110-126-128-143-149-156-157.

[78] نفسه ص: 81، كنا نود لو أن الدكتور أحمد حجازي السقا محقق الإعلام عرف لنا هذه الشخصيات من تكون؟ إذ اكتفى بتعريف المعروف منهم وهو أغسطين مع أنه حقق الكثير من كتب في الرد على النصارى، وسأحاول في إعادة التحقيق التي أقوم بها القيام بذلك إن شاء الله.


المرفقات

  • 6636.005Kb

Comments

Leave a comment

Blog categories