Loading ...

وحدة الأديان في تأصيلات التصوف وتقريرات المتصوفة دراسة تحليلية( الجزء الأول)

ملخص البحث

 

عني هذا البحث بدراسة نصوص المتصوفة؛ المتضمنة معاني تؤيد أو تتضمن الوحدة بين الأديان، بالتحليل والدراسة المتأملة، بقطع النظر عن مراد المتصوفة؛ إذ الكلام القطعي قد لاينتزع منه حكما على صاحبه لذاته، لكن ينتزع منه حكما على الكلام  ذاته.

وقد بدأ بإفادات جمع من الباحثين ذوي المشارب الفكرية المختلفة شرقا وغربا، حيث اتحد رأيهم في العلاقة ما بين فكرة وحدة الأديان والفكر الصوفي تضمنا ولزوما.

وذلك كان سببا في تبني بعض الكتاب والدوائر البحثية، الإفادة من الفكر الصوفي والتصوف؛ لتقديم صورة جديدة عن المسلمين، خلاف الصورة التي كرسها الفكر السلفي: صورة ينظر بها الإسلام إلى سائر الديانات نظرة مساواة وندية، لا نظرة علو واستعلاء.

ولما كان هذا الاتجاه يتوجه إلى أصول الإسلام بالتخليط والتغيير، لصراحة النصوص وقطعيتها، ومعلوميتها من الدين بالضرورة: أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه:

احتاج البحث النظر في أقوال ومقاصد المتصوفة، واستخراج ما يمكن أن يكون منها متضمنا لفكرة وحدة الأديان، أو مؤيدا، أو ممهدا، فمما لوحظ من ذلك: أن الفكر الصوفي تضمن ذلك كله؛ فكانت إشارات المتصوفة الأوائل ممهدة للأواخر، لإعلان الفكرة بالقول الصريح غير المحتمل، وبطرق شتى، حتى امتلأت كتبهم منه: تقريرا، وتبريرا، واستحسانا.

فتأصيل المتقدمين، حمل المتأخرين على تقرير وحدة الأديان بالمساواة بينها في القبول الإلهي في الدنيا، والنجاة والنعيم في الآخرة، على الجميع دون فرق بينهم لدياناتهم.

لقد بني البحث على مبحثين، هما ركناه:

الأول: التأصيلات الصوفية لفكرة وحدة الأديان.

وتضمن خمسة أصول هي: وحدة الوجود، الحب الأزلي، الربوبية، الجبر، الرضا.

الثاني: تقريرات المتصوفة لفكرة وحدة الأديان.

وتضمن ثلاثة تقريرات هي: المعبود واحد، التدين بكل دين، مآل الكل إلى النعيم.

وهكذا تكامل البحث، الذي استعمل منهج التحليل، طريقة لأداء هذه العملية العلمية.

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

مقصد هذا العمل: البحث في علاقة التصوف بوحدة الأديان، بعدما لوحظ تعدد وكثرة الإفادات بوجودة هذه العلاقة، من مصادر فكرية متنوعة ومختلفة، بعضها غير مناوئ للتصوف، فإما محايدة أو مائلة نحو التصوف، لكن طريقتها المنهجية في التعامل مع الأفكار والقضايا، دفعت بها إلى نسبة فكرة وحدة الأديان إلى التصوف.

وفي البحوث العلمية تختفي فرضيات النيات الحسنة، لتظهر الأدلة والوقائع الحية؛ لتكون محور الحكم على الأفكار دون الأشخاص، فوجود النيات الحسنة لدى المنتمين لفرقة أو مذهب، لا يمنع من الحكم على أقوالهم وأفعالهم، سواء بالسلب أو الإيجاب.

وهذا مما ينبغي أن يخفف وطأة النقد على المنقودين، ومعلوم ضرورة: أن لا أحد يفوق النقد؛ فمن البدهيات: أن ليس من أحد نال حظ العصمة من الخطأ في القول أو العمل.

وفي هذا الوقت، بلغ الكلام على التسامح  مبلغا يصل به إلى إلغاء الفوارق بين الأديان، كما هو الحال عند ناس، حتى إنهم استرجعوا من التاريخ فرقا وعقائد؛ ليبنوا عليها رأيهم البالغ في المساواة بين الأديان، تحت مسمى: "التسامح".

وظهر التصوف في الطريق إلى هذه العقيدة الجديدة، متهما في نظر الناقدين، ومرجعا مؤثرا ومويدا في نظر المؤيدين، متمثلا في شخصيات كبرى كابن عربي وجلال الدين الرومي.

لقد اعتنى هذا البحث بالتفتيش في هذه العلاقة، من خلال مبحثين هما:

-       الأول: تأصيلات التصوف لوحدة الأديان.

-       الثاني: تقريرات المتصوفة لوحدة الأديان.

واتبع في ذلك طريقة التحليل لنصوص المتصوفة في هذا الباب، ودراسة ما تتضمنه من مبادئ وتأصيلات تفيد الفكرة، وتجعل لها قدما في الفكر الصوفي، به ولأجله وجد أنصار المساواة بين الأديان في التصوف خير معين.

*       *       *

مدخل:

إفادات متشابهة، في علاقة وحدة الأديان بالتصوف، لجملة منوعة من الباحثين في التصوف:

1-             يقول عبد الرحمن الوكيل: "نعم تدين الصوفية المعاصرة بوحدة الوجود، وبوحدة الأديان" [1].

2-             يقول المستشرق الإنجليزي نيكلسون، المتخصص في التصوف الإسلامي: "ومن لوازم مذهبهم في وحدة الوجود أيضا: قولهم بصحة جميع العقائد الدينية أيّا كانت؛ فإن الحق كما يقول ابن عربي: لا تحصره عقيدة دون أخرى" [2].

-        ويقول أيضا: "وهذه المذاهب منطقيا تلغي كل قانون ديني أو أخلاقي، وليس عند خيال العارف مثوبات أو عقوبات ربانية، ولا مقاييس للحسن أو القبيح، وعنده أن كلمة الله المكتوبة، قد نسختها كشفه اللطيف المباشر. يقول أبو الحسن الخرقاني: لا أقول إن الجنة والنار غير موجودتين، ولكني أقول: ليستا عندي شيئا؛ لأن الله خلقهما جميعا، وليس لمخلوق مكان حيث أكون.

-         ومن هنا كانت جميع أشكال الأديان متساوية، وليس الإسلام بأفضل من الوثنية" [3].

3-             يقول أحمد أمين: "وإذ قال كثير منهم بوحدة الوجود: كانوا أسمح الناس في اختلاف الأديان. فالاختلاف بين الأديان إنما هو اختلاف في الظاهر، أما من حيث الحقيقة والجوهر فكل تسلك طريقا إلى الله، والغاية واحدة، والاختلاف في الوسائل لا يهم، مادامت الغاية واحدة، وهي حب إله واحد.

-        ولابن عربي وجلال الدين الرومي أشعار كثيرة في هذا المعنى، وكذلك في بعض أبيات تائية ابن الفارض، خصوصا في التائية الكبرى.

-        وقالوا: إن كل دين وإن اختلف في مظهره عن الدين الآخر، فإنما يكشف عن ناحية معينة من نواحي الحق؛ فالإيمان والكفر لا يختلفان اختلافا جوهريا، واليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام متفقون في عبادة إله واحد. والقرآن والتوراة والإنجيل منتظمون في سلك واحد، هو سلك التنظيم الإلهي.

-        مما يجعلهم أرحب الأديان صدرا" [4].

4-             يقول محمد السيد الجليند: "وكثير منهم صرح بوحدة الأديان، وتساوت عنده الأضداد، فليس عنده خير ولا شر، ولا طاعة ولا معصية، ولا إيمان ولا كفر، وإنما الكل يتساوى عنده" [5].

-        ويقول أيضا: "والعارف الكامل يلغي من حسابه معنى الأضداد، ويستوي في نظره جميع المذاهب والأديان، فلا فضل لدين على آخر، ولمذهب على آخر.

-         والصوفي الناضج لا يهتم بأن فلانا يتبع المذهب الفلاني أو يتعبد على مذهب كذا، أو هو على دين كذا؛ لأن العارف يعتقد أن مسجده في قلبه: (فالذين يعبدون الله في الشمس يرون الله شمسا، والذين يعبدونه في أشياء جامدة يرون الله شيئا جامدا، والذين يعبدون بصفة أنه وجود واحد، ليس كمثله شيء يعتقدون أن الله ليس له شبيه ولا مثيل، والعارف الحق لا يقيد نفسه أبدا بإحدى هذه الطرق، ويحكم بخطأ ما سواها.

-        وإذا كان لون الماء لون إنائه، فإن الماء لا لون له، وإنما يتلون بلون الإناء الذي يحل فيه)[6]، فالاختلاف والتغير بسبب الإناء، وليس بسبب الماء، وبسبب اختلاف المحل القابل، فينشأ الخلاف بين الناس، وتملأ الضغينة قلوبهم، ويحقر كل منهم معبود الآخر.

-        وهنا يصل الصوفية إلى القول بوحدة الأديان، لا تعددها" [7].

5-             يقول ولتر ستيس: "فأول جواب عن السؤال: هل التصوف هو أساسا ظاهرة دينية؟، هو بالنفي. فهو قد يرتبط بالدين، لكنه ليس في حاجة إليه" [8].

-        ويقول أيضا: "والسؤال عما إذا كان الوعي الصوفي يفضل عقيدة ما، أو ديانة من ديانات العالم، أكثر من عقيدة أو ديانة أخرى ؟.

-         من السهل أن يجيب عنه بأنه لا يفعل ذلك؛ فالصوفي في أي ثقافة، عادة ما يؤول تجربته من منظور الدين الذي تربى عليه، لكنه إذا كان متحضرا بدرجة كافية، فإنه يمكن أن يطرح هذه العقائد الدينية، ويظل محتفظا بوعيه الصوفي"[9].

-        ويقول أيضا: "ونود أن نؤكد بغض النظر عن هذه الوقائع أن التصوف هو المصدر النهائي لكل دين، وهو ماهيته. وبين أيدينا مجموعة من المشكلات تشبه تماما مجموعة المشكلات التي اعترضت النظرية الصوفية عن الأخلاق؛ إذ علينا أن نؤكد أن الوعي الصوفي كامن عند جميع البشر، لكنه عند معظم الناس مطمور تحت سطح الوعي، وما أن يلقى في الوعي الأعلى بمؤثراته، في صورة مشاعر أخلاقية، حتى تظهر أيضا آثارها هي الأخرى في صورة دوافع دينية، وسوف تؤدي هذه الدوافع بدورها إلى نشأة التركيبات العقلية، التي هي العقائد المختلفة" [10].

في النقولات الماضية: نقف على شهادات من مختلفة الاتجاهات الدارسة للتصوف:

-        اتجاه حادّ النقد (= الوكيل).

-        اتجاه هادئ النقد (= الجليند).

-        اتجاه التحليل والتصوير (=أمين).

-        اتجاه الاستشراق (نيكلسون).

-        اتجاه فلسفي غربي (ستيس).

في قضية محددة، هي: موقع وحدة الأديان في أصول التصوف.

والوحدة في الأديان مصطلح حادث يقصد به: التسوية بين جميع الأديان، من حيث الصحة، والقبول.

وفي النتيجة: اتفاق جميع هذه الاتجاهات المتباينة على حضور هذه الفكرة في التصوف.

والحضور على نوعين: رئيس أساس، وفرعي ثانوي.

وفي كل الشهادات إفادة بأن هذه الفكرة لها حضور رئيس وأساس، فهي في أصل بنية التصوف، سواء كان ذلك من جهة التضمن أو اللزوم:

-        فمن جهة التضمن، فالتصوف الحقيقي يتضمن وحدة الأديان، لا يصح بدونه.

-        ومن جهة اللزوم، فوحدة الأديان تلزم التصوف لزوما لا ينفك ألبتة.

فحقيقة العلاقة، والوصف الأدق لها هو التضمن؛ إذ اللزوم يحتمل التخلف، فليس كل لازم بمتحقق في الواقع؛ ولذا يحتاج لتأكيد تحقيقه الاستعانة بشرط عدم الإنفكاك. بينما التضمن لا يحتاج إلى شرط، هو نفسه كاف، فليس له إلا احتمال واحد هو: التحقق.

إذن التعبير الأحسن، والموافق للحقيقة، هو أن يقال: التصوف يتضمن الوحدة. لا كما فعل المستشرق نيكلسون، لما استعمل تعبير اللزوم؛ لأنه إذا أمكن استعمال لفظ يحقق المعنى من دون الحاجة إلى الشرط فهو أولى.

ومن قوة الاتفاق الذي هم عليه: لم نلحظ ترددا، أو اضطرابا في كلامهم. وفي هذا دلالة على أن هؤلاء الباحثين، مختلفي المشارب والاتجاهات والأديان، يرون هذه الفكرة متمثلة بوضوح شديد في التصوف.

فإنه يندر اتفاق هذا الخليط المتباين على فكرة ما، إلا إذا كانت برهانا كالشمس، لا يسع من يحترم الحقيقة والعلم أن يغالط فيه !!.

فهذا الاتفاق وتلك الشهادات ما يقول فيها الفكر الصوفي، وما يقول فيها المتصوفة ؟.

هل الفكر الصوفي ينطق بصحة هذه العلاقة، وهل المتصوفة يقرون بها، أم لا ؟.

 

وفي تأكيد انتساب هذه الفكرة إلى التصوف، يتخطى بعض الكتاب وبعض الدوائر البحثية، مجرد التقرير، والتصوير، والتحليل النظري، إلى طرح فكرة الإفادة من التصوف والمتصوفة المسلمين في تقديم صورة أخرى عن الإسلام، غير ما هو معروف عنه، خصوصا في جانب العلاقة بين الديانات، معتمدين في ذلك ما أكده الباحثون من تضمن التصوف فكرة وحدة الأديان..!!.

فإذا كان الإسلام التقليدي، أو الأصولي، أو الإرهابي، أو التكفيري ( كما يسمونه)، يقوم على عقيدة فضل الإسلام، وبطلان ما سواه من الأديان: فإن التصوف يقوم على فكرة المساواة بين الأديان، وعدم فضلها إحداها على الأخرى.

فقد كتب نصر حامد أبو زيد كتابا سماه: "هكذا تكلم ابن عربي"، أفصح في أوله، أن غرضه من التأليف، تقديم فكر ابن عربي ومذهبه القائم على التسامح (= وحدة الأديان) بديلا عن المذهب السلفي المسيطر على الخطاب الإسلامي، القائم على الصدام (= تفضيل الإسلام، وإبطال ما عداه من الأديان)، وفي هذا يقول:

-        "يمثل الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي مع غيره من أعلام الروحانيات، في كل الثقافات يمثل مطلبا ملحا. لعلنا نجد في تجربته، وفي تجاربهم، ما يمكن أن يمثل مصدرا للإلهام في عالمنا، الذي سبق أن ألمحنا لبعض مشكلات الحياة فيه.

-        إن التجربة الروحية هي مصدر التجربة الفنية: الموسيقى، والأدب، وكل الفنون السمعية، والبصرية، والحركية. فهي الإطار الجامع للدين والفن، وهذه أهمية استحضار ابن عربي في السياق العام.

-        لكن استحضار ابن عربي في السياق الإسلامي، واستعادته من أفق التهميش إلى فضاء المتن، مرة أخرى، لا يقل أهمية؛ وذلك بسبب سيطرة بعض الاتجاهات والأفكار والرؤى السلفية، على مجمل الخطاب الإسلامي، في السنوات الثلاثين الأخيرة من القرن العشرين"[11].

على ماذا يدور الخطاب السلفي ؟، وما الذي قصده في هذا السياق ؟.

الخطاب الإقصائي، الإلغائي، الاحتكاري هو المقصود، وهو بالتحديد القول: بعلو الإسلام، وبطلان ما سواه من الأديان، المبني على نصوص صريحة من القرآن. قال تعالى:

-        {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}.

-        {ورضيت لكم الإسلام دينا}.

-        {إن الدين عند الله الإسلام}.

-        {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ءأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد}.

وخطاب أعلام الروحانيات في كل الثقافات، كابن عربي وغيره: ضد الخطاب الآنف. فهو بحسب الإفادات التي صدر بهذا الموضوع لا يفضل الإسلام، ولا يبطل الأديان، بل يساوي بينها جميعا؛ بين الدين الذي ارتضاه تعالى، والأديان التي أبطلها..!!.

 

أمر ثالث ينضم مؤكدا إلى ما سبق، هو: الفكرة التي يجتمع عليها كل من درس التصوف، وبحث فيه: أن التصوف مذهب معروف في كافة الديانات القديمة، من هندية، وفارسية، وإغريقية، ويهودية، ونصرانية.. وهو في كل ديانة يلبس لبوسها، ويتكيف مع خطوطها، مع محافظته على الخط المشترك بينه وبين سائر أنواع التصوف الأخرى، الذي يميز التصوف عن غيره من المذاهب والملل.

فمؤدى هذا التقرير من هؤلاء الباحثين: أن هذا التصوف العالمي لا يعارض ديانة، ولا يرفض التلاؤم معها، مهما تباينت وتناقضت؛ بدليل تغلغله في سائر هذه الديانات، ونسبته إليها، وعدم معارضتها لشيء منها. وهذا بالضبط هو محتوى فكرة وحدة الأديان..!!.

وهذه جملة من إفادات هؤلاء الباحثين، المختلفي المشارب، الذي لا يحسب أحد منهم على الاتجاه المناهض للتصوف بأي وجه كان:

1-             يقول الفلسيوف الانجليزي الأصل، الأمريكي الجنسية ولتر ترنس ستيس (1886-1967): "قد يدهش بعض هؤلاء الفلاسفة، إذا علموا أنه على الرغم من أن عددا كبيرا من المتصوفة كانوا مؤلهة، وأن عددا آخر كانوا من أصحاب وحدة الوجود، فإن هناك أيضا متصوفة ملاحدة. وربما كان من الأفضل لو استطعنا استخدام كلمات مثل: الاستنارة، والإشراق. الشائعة الاستخدام في الهند، لنصف الظاهرة نفسها"[12].

-        ويقول: "فالذين كتبوا عن التصوف، كثيرا ما ذهبوا إلى أن التجارب الصوفية واحدة أساسا، أو هي متشابهة في جميع أنحاء العالم، وفي مختلف العصور والثقافات، وفي مختلف التداعيات الدينية، وقد أقام العديد من الكتاب حجتهم في موضوعية التجربة الصوفية، على أساس هذا التشابه"[13].

2-              ينقل ستيس عن الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليم جيمس (1842-1910): "إن التغلب على جميع الحواجز بين الفرد والمطلق، هو الإنجاز الصوفي العظيم. ونحن نصبح في المقامات الصوفية واحدا مع المطلق، ونكون على وعي بهذه الواحدية. هذا هو التراث الدائم والظافر، الذي يصعب أن تغيره اختلافات الظروف والعقائد.. فنحن نجد في الهندوسية، وفي الأفلاطونية الجديدة، وفي التصوف الإسلامي، وفي التصوف المسيحي، وفي مذهب ويتمان: نفس الملاحظة التي تتكرر باستمرار. حتى إنه ليوجد بالنسبة للأقوال الصوفية إجماع أزلي، يجبرنا على الوقفة النقدية والتفكير"[14].

3-             يقول عمر فروخ: "شاع التصوف في الأديان والأمم كلها: في الوثنية والمجوسية واليهودية والنصرانية والإسلام، ولقد عرفه في بعض أشكاله البابليون واليونان والرومان والهنود والصينيون والعرب والعجم ولقد عرفته بعض الأمم الفطرية. ولقد تلون التصوف بألوان الأديان التي نشأ بين أهلها حتى إنه ليستحيل أن نفهم التصوف قبل أن نفهم تطور الدين الذي اتصل به".[15]

4-             يقول أحمد أمين:" فالتصوف نزعة من النزعات، لا فرقة مستقلة كالمعتزلة والشيعة وأهل السنة، ولذلك يصح أن يكون الرجل معتزليا وصوفيا، أو شيعيا وصوفيا، أو سنيا وصوفيا، بل قد يكون نصرانيا، أو يهوديا، أو بوذيا وهو متصوف".[16]

5-             يقول محمد فريد وجدي:" التصوف هو مذهب الغرض منه تصفية القلب عن غير الله، والصعود بالروح إلى عالم التقديس، بإخلاص العبودية للخالق، والتجرد عما سواه. هذا المذهب قديم كقدم النزعة التي أوجدته، فإن الإنسان منذ ألوف من السنين أدرك أن خلف هذه الغلف الجسدانية سرا مكنونا، لا يستثيره إلا إرهاق هذا البدن، بالمجاهدات لإضعاف سطوته والحط من سلطانه، فنشأ هذا المذهب في كل أمة راقية، ولبس شكلا مناسبا لعقولها وأفكارها، وهو معروف في الهند والصين منذ ألوف السنين، وله عند الهنديين أساليب شديدة على النفس منها أن يظل الرجل سنين لا يتكلم، بل يقرأ في نفسه بلا صوت ما يكون قد أمره أستاذه بتكراره، ومنها أن يجلس على صفة خاصة وقتا مديدا، إلى غير ذلك من الأساليب الجهادية، ولكن لما وجد تحت ظل الإسلام وأحيط بأدب القرآن، دخل في دور جديد"[17].

فمذهب يجمع تحت سقفه كافة الديانات، حتى الملاحدة، حتى اللامنتمي إلا ديانة ما، ويتكيف مع كلها، على حد سواء، لن يكون معاديا إلا لفكرة تعادي فكرته الجمعية هذه، أما سائر الأفكار التي لا ترفضه، فمهما كان اتجاهاتها، فهي مقبولة عنده.

فهذا حال التصوف في كافة الديانات، ومن إفادات هؤلاء الباحثين نفهم أن التصوف الإسلامي ليس مختلفا في هذا عن سائر أنواع التصوف الأخرى.

فهل الأمر كذلك ؟.

 

فنحن إذن بين شهادات، وإفادات، ومحاولة لاستغلال وتوظيف هذه الفكرة، التي قرر أولئك الباحثون وجودها في التصوف.

فهل لنا أن نجعل هذه الأدلة برهانا، يقينا، نستند إليها في إثبات نسبة وحدة الأديان إلى التصوف، نسبة الولد إلى أمه، أم ثمة وسيلة للتشكيك في هذه القضية ؟.

إن نسبة فكرة ما إلى مذهب ما، أو شخص ما بمجرد الشهادات، مهما كثرت، أو بمجرد محاولة الإفادة - لنشر الفكرة - من ذلك المذهب، أو الشخص: قد لا يكون كافيا.

نعم هذه أدلة معتبرة، وقوية، يمتنع تواطؤها، خاصة مع تعدد مشاربها، واختلاف مقاصدها، وتباين مصادرها. لكن المنهج العلمي يفرض من حيث الأصل: أن يكون إثبات النسبة من خلال أفكار وتقريرات المذهب نفسه، وأقوال وآراء أصحابه.

ولأجل هذا، فالذي علينا هو: النظر في الأفكار والآراء الصوفية، والتماس مواطن هذه الفكرة فيها، وكيفية تقرير المتصوفة لها. فالبحث إذن في قسمين:

-        المبحث الأول: يبحث في تأصيلات التصوف لفكرة وحدة الأديان.

-        المبحث الثاني: يبحث كيفية تقريرات المتصوفة لهذه الفكرة.

 

*       *       *

-        المبحث الأول التأصيلات الصوفية لفكرة وحدة الأديان.

 

بعد النظر واستعراض الأفكار الصوفية: نقف على جملة منها، علاقتها بوحدة الأديان بادية، غير خافية. منها ما هو فلسفي، ومنها ما أصله إبليسي، ومنها ما له أصل شرعي، فسّر بوجه يتلاءم مع الفكر الصوفي. هذه الأفكار هي:

1-             وحدة الوجود.

2-             الحب الأزلي.  

3-             الربوبية.               

4-             الجبر.

5-             الرضا.           

فالأوليتان فكرتان فلسفيتان. والثالثة ثابتة في النصوص الشرعية. والرابعة أول من نطق بها إبليس، في قوله تعالى: { قال رب بما أغويتني}. والخامسة لها أصل في النصوص الشرعية.

فهذه الأفكار هي التأصيلات الصوفية لفكرة وحدة الأديان، أو هكذا يبدو للوهلة الأولى، عند النظر في النصوص الصوفية.

وللتأكد من هذه النتيجة، ومطابقتها لإفادات الباحثين السابقين: يفترض بنا دراسة تلك النصوص، وفحصها، وتحليلها. وهذا ما سيكون بعون الله تعالى.

 

*       *       *

1- وحدة الوجود.

وحدة الوجود تعني: أن الله تعالى هو كل شيء، أو كل شيء هو الله تعالى. فلها صورتان:

-        الأولى: الله وحده هو الحقيقي، وما العالم إلا مجموع من التجليات، أو الصدورات التي ليس لها أية حقيقة ثابتة، ولا جوهر متميز. وهذه تسمى بمذهب وحدة الوجود الروحية.

-        الثانية: العالم هو وحده الحقيقي، وما الله إلا مجموع كل ما هو موجود. وهذه تسمى بمذهب وحدة الوجود المادية، أو الطبيعية. [18]

ولآخرين، كابن تيمية، تفصيلات أخرى وتقسيمات لهذه الفكرة، بالنظر إلى:

ما مواقف المتصوفة، واتجاهاتهم فيها ؟.

وفي المحصلة كلها تتفق على أن جوهرهذه الفكرة هو القول: بأن الله تعالى في كل شيء بذاته. سواء قيل: إن ذلك حاصل بطريق الأصل؛ أي أن الله تعالى هو هذا العالم كله، لم يفارقه لحظة. أو بطريق الطروء (=الحلول، والاتحاد)؛ أي توحد معه في لحظات دون أخرى[19].

وسائر الناس يقررون في العقيدة الإلهية: أن الإله له صفات الكمال والحسن في ذاته، وصفاته، وأفعاله.

وبناء على هذا العقيدة، فإن حلوله، أو اتحاده، أو وحدته بالبشر، وسائر المخلوقات  موجب لانتقال صفاته الكاملة إليهم، ومن ثم انتفاء القبائح عنهم، وحينئذ يتوجب أن تكون ذواتهم، وصفاتهم لها الخصائص الإلهية ذاتها، من الكمال والحسن، وانتفاء النقص والقبح والفساد، وكذلك أفعالهم..؟!!.

فمهما فعلوا، فلا يوصف فعلهم إلا بالحسن والصحة. وقد علم أن من أفعالهم عبادة ونسك لغير الله تعالى، من وثن، وصنم، ونار، وبقر، ونبي.. إلخ. يدل على هذا تباين أديانهم كليا، فهذا: وثني، وهذا مجوسي، وهندوسي، ويهودي، ونصراني. فأفعال كل هؤلاء إذن حسنة وصحيحة؛ إذ أفعالهم أفعال إلهية، صارت كذلك باتحاد ذواتهم بالذات الإلهية، وحلول الذات الإلهية فيهم، ووحدتهم معه.

فكيف يمكن أن يقال بعد هذا: هذا دينه حسن صحيح، وهذا دينه قبيح باطل ؟!.

إن فرض أن ثمة أناس على دين باطل، يعني نفي الكمال والحسن عن الأفعال الإلهية..!!.

ذلك وجه، وثمة وجه آخر لارتباط تصحيح الأديان بوحدة الوجود، هو:

مع القول بأن الله تعالى هو كل شيء، وأنه هو هذه المخلوقات، قد حل في كل واحد منها، فمقتضى ذلك: أن كل مخلوق من هذه المخلوقات هو الله تعالى ..؟؟!!.

وحينئذ فكل من عبد شيئا فما عبد إلا الله تعالى..!!. فهذه المعبودات ماهي إلا محل تجلي الإله وظهوره فيها، فكلها حقة.

وأما الاختلاف في الديانات، فإنما جاء من جهة اختلاف مظاهر المعبودات، أما الباطن فواحد في الجميع، إنه الله تعالى، الذي حل واتحد بها. وبهذا يصدق أنها جميعا متساوية غير متفاضلة في حقيقتها، وإن تفاوتت في مظاهرها.

 

فإثبات صحة الأديان جميعها- من جهة بنائها على فكرة وحدة الوجود - يأتي من ثلاث جهات:

-        الجهة الأولى: العابد. فإن الإنسان إذا كان محل تجلي الإله، وهو صورته، فحركاته، واختياراته إلهية. فمن أين يأتي الخطأ إذن ؟، وكيف يصح الحكم على فعله بالبطلان؟.

-        الجهة الثانية: المعبودات. فإذا الله تعالى قد تجلى وحل في جميع هذه المعبودات، فمهما عبد شيئا منها، فما عبد إلا الله تعالى. فمن أين يأتي التفاضل بينها ؟، وكيف يمكن الحكم على بعضها بالبطلان ؟.

-        الجهة الثالثة: بالنظر إلى العابد والمعبود معا. فإن بالوحدة يصير العابد والمعبود عينا واحدة، فكيف حينئذ يمكن تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر، وهذا في الجنة، وهذا في النار، وهذا يحبه الله، وهذا يبغضه الله، والجميع صورة عن الله تعالى، محل تجليه وظهوره ؟.

وهكذا نرى فكرة وحدة الوجود تقرر: أن الجميع يعبد الإله الحق. مهما اختلفت المعبودات، والديانات، ولو تناقضت. وهذه هي وحدة الأديان.

وبهذا ندرك أن وحدة الوجود متضمنة لوحدة الأديان، وندرك انتفاء تقسيم الناس في ظل هذه الفكرة؛ لأن الكل عين واحدة، فمن عبد شيئا، فإنما عبد الله وحده، فعابد الشجر، والقمر، والبقر، والبشر إنما عبد الله، وما توجه إلى سواه.

 

*       *       *

أقوال  وتقريرات المتصوفة لعقيدة وحدة الوجود.

1-             ينقل السراج عن أبي علي الروذباري: أنه أطلق على أبي حمزة البغدادي أنه حلولي. وذلك أنه سمع صوتا، مثل: الرياح، وخرير الماء، وصياح الطيور. فكان يصيح ويقول: لبيك. فرموه بالحلول، ثم ذكر السراج الطوسي: أن أبا حمزة دخل دار الحارث المحاسبي، وكان للحارث شاة، فصاحت ، فشهق أبو حمزة وقال: "لبيك سيدي. فغضب الحارث وعمد إلى سكين، وقال: إن لم تتب من هذا الذي أنت فيه، أذبحك. قال أبو حمزة: إذا أنت لم تحسن تسمع هذا الذي أنا فيه، فلم تأكل النخالة بالرماد".[20]

2-              وذكر ابن الجوزي قول أبي يزيد البسطامي:" سبحاني، سبحاني، ما أعظم سلطاني، ليس مثلي في السماء يوجد، ولا مثلي صفة في الأرض تعرف، أنا هو، وهو أنا، وهو هو".

-        وساق ابن الجوزي سنده إلى الحسن بن علي بن سلام قال: " دخل أبو يزيد مدينة فتبعه منها خلق كثير، فالتفت إليهم فقال: إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدون. فقالوا: جنّ أبو يزيد؛ فتركوه".[21]

3-             نقل أبو عبدالرحمن السلمي عن الشبلي قوله: " وما افترقنا، وكيف نفترق ولم يجر علينا حال الجمع أبدا "[22].

-        والهجويري عنه قوله: " الصوفي لا يرى في الدارين مع الله غير الله" [23].

4-             زعم الحلاج أن من تهذب بالطاعة، لا يزال يصفو عن البشرية، حتى يحل فيه روح الله، الذي كان في عيسى عليه السلام، فلا يريد شيئا إلا كان[24]. ويقول:  

                سبحان من أظهر ناسوته          سر سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه ظاهرا           في صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينه خلقه            كلحظة الحاجب بالحاجب[25]

وذكر عنه السلمي قوله: " ما انفصلت البشرية عنه، ولا اتصلت به "[26].

وقد زعم أن الله حل فيه، وكان يرسل رسائل إلى أصحابه ويزعم أنه هو  الله تعالى، وفي كتبه شيء كثير من هذا، فهو محل إجماع عند أهل العلم أنه يقول بالحلول، وكان يقول: " إني مغرق قوم نوح، ومهلك عاد وثمود"، وله الجملة المشهورة: "أنا الحق"[27].

5-             يروي الطوسي عن سهل بن عبد الله التستري قوله، وقد سئل عن سر النفس، فقال: "النفس سرٌّ، ما أظهر ذلك السر على أحد من خلقه إلا فرعون، فقال: أنا ربكم الأعلى"[28]. فهذا صريح في الحلول والاتحاد، ومثل هذا الكلام قد يكون منسوبا إلى التستري، إلا أن:

 استشهاد الطوسي به، وسوقه، يدل على رضاه به؛ فإنه ذكره تقريرا لآراء المتصوفة، وليس مجرد ذكر، فهو إذن من الآراء الصوفية.

واعتماد المتصوفة كتاب الطوسي "اللمع"، وجعلهم إياه من الكتب المعتمدة، وعدم نقد شيء فيه، بما فيه هذه الكلمة ونحوها، يدل على رضاهم به.

6-             يقول مولوي جلال الدين الرومي: "يقول الشاعر:

يا من أنت نسخة الكتاب الإلهي،

 ويا من أنت مرآة الجمال الشاهي

                        ليس خارجا عنك كل ما هو موجود في العالم،

                                ففي نفسك اطلب كل ما تريده، واهتف: إنه أنا"[29].

 ويقول: "لا إله إلا الله، إيمان العامة. أما إيمان الخاصة فهذا: لا هو إلا هو".[30]

يقول: "وهكذا فإن منصورا [الحلاج] عندما بلغت محبته للحق نهايتها صار عدوا لنفسه وأفنى نفسه؛ إذ قال: أنا الحق. أي أنا فنيت وبقي ا لحق وحده. وهذه غاية التواضع ونهاية العبودية؛ إذ تعني العبارة: هو وحده. فالدعوى والتكبر تكونان في أن تقول: أنت الله، وأنا العبد. لأنك بقول هذا تون قد أثبت وجودك أيضا، ويلزم من ذلك الثنائية. وإذا ما قلت أيضا: هو الحق. فإن الحق هو الذي قال: أنا الحق. لأن غيره لم يكن موجودا، وكان منصور قد فني، وكان ذلك كلام الحق".[31]

بعض هذه النصوص ليست في الوحدة، بل في الحلول، وإنما وردت هنا للعلاقة التي بين الحلول والوحدة من جهة، وللعلاقة بين الحلول ووحدة الأديان من جهة أخرى:

فأما علاقته بالوحدة، فذلك أن الحلول على قسمين: عام، وخاص. فالعام منه هو نفسه وحدة الوجود.

وأما علاقته بوحدة الأديان، فذلك أن الحلول عموما، حتى الخاص منه، يجعل من المعبودات إلهية الشأن والمقام؛ إذ يمكن عن طريق القول بالحلول: ادعاء أنها محل حلول الله تعالى. اختصت به دون غيرها، فتستحق بذلك أن تكون معبودات حقة.

ونصوص الوحدة في الوجود عن الصوفية كثيرة جدا، والصوفية لا ينكرون وجود هذا في كتبهم، لكن بعضهم يرفض هذا النوع، ويتبرء منه، ويعده غاليا.

شهادات الباحثين أن التصوف يقرر وحدة الوجود.

1-             يقول ابن خلدون: "ذهب كثير منهم إلى الحلول والوحدة، كما أشرنا إليه، وملؤوا الصحف منه، مثل: الهروي، في كتاب المقامات له، وغيره، وتبعهم: ابن العربي، وابن سبعين، وتلميذهما ابن العفيف، وابن الفارض، والنجم الإسرائيلي، في قصائدهم"[32].

2-             يقول المستشرق الإنجليزي نيكلسون:" وقد أجمع النقاد على: أن القول بوحدة الوجود، وهو أخص مظاهر التصوف الإسلامي".[33]

3-              يقول أحمد أمين: "أركان التصوف ثلاثة: وحدة الوجود، والفناء في الله، وحب الله"[34].

4-             يقول التفتازاني: "ويقصد بالفناء: الحالة النفسية التي يشعر معها الصوفي بذاته، كما يشعر أنه بقي مع حقيقة أسمى، مطلقة، هي: الله. عند صوفية المسلمين، أو: الكلمة. عند صوفية المسيحيين. أو: براهما. في تصوف البرهمية، وهكذا. وقد ينطلق بعض الصوفية إلى القول:

-         بالاتحاد بهذه الحقيقة.

-        أو أنها حلت فيهم.

-         أو أن الوجود واحدة لا كثرة فيه.

ويعود بعضهم إلى البقاء بعد الفناء، فيثبتون الإثنينية بين الله والعالم"[35].

والتفتازاني رحمه الله تعالى وهو شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر: ينزه التصوف من فكرة: الحلول، والاتحاد، والوحدة. غير أنه لم يستطع أن يدفع وجودها بين المتصوفة.

فالجميع متفق: على وجود هذه الفكرة في التصوف والمتصوفة بصورة ظاهرة، غير خفية. وإن تبرأت منها طائفة وتنزهت.

 

*       *       *

2- الحب الأزلي.

المقصود بالأزلي: القديم. وهو ضد الحادث، ومصطلح القديم في هذا الموضع يطلق يراد به: الذي ليس له بداية. وهذا هو معنى الأزلي. [36]

فالحب الأزلي هو: الحب القديم، الذي ليس بداية، أو الذي لم يسبق بعدم.

وبحسب سياق الحديث، فإن الحب حبان: حب الإنسان لله، وحب الله للإنسان.

والمقصود من هذين الحبين هنا، هو: حب الله تعالى للإنسان. ويقال عنه: الحب الإلهي.

فالحب الأزلي معناه: أن حب الله تعالى للإنسان أزلي قديم، لم يسبقه عدم؛ أي أنه ليس بحادث وفق العوارض والحوادث، إنما حصل بغير علة ولا سبب.

لكن ما المراد بالإنسان هنا: الجنس، أم فئة نالت هذا الشرف الإلهي ؟.

وفي كلا الحالتين: هذا الحب الأزلي، سواء تعلق بالجنس، أو بفئة: حصوله كان بشرط، أم من غير شرط ؟.

هذا ما نريد من المتصوفة الإجابة عنه، بما أنهم هم الذين قرروا فكرة: الحب الأزلي.

*       *       *

نصوص المتصوفة في الحب الأزلي:

1-             عن أبي يزيد: "غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه. فلما انتهيت، رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته تقدمت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي أولاً حتى طلبته"[37].

2-             عن أحمد بن أبي الحواري: "لا يستطيع العبد أن يحب الله، حتى يكون الابتداء من الله بالحب له، وذلك حين عرف منه الاجتهاد في رضائه"[38].

3-             سئل الشبلي: إلى ماذا تحن قلوب أهل المعارف؟، فقال: إلى بدايات ما جرى في الغيب من حسن العناية في الحضرة، بغيبتهم عنها، ثم قال:         

                سقيا لمعهدك الذي لولم يكن    ما كان قلبي للصبابة معهدا[39]

4-             يقول أبو طالب شارحا هذه الفكرة ومدللا عليها:" ومحبة الله سابقة للأسباب عن كلمته الحسنى، قديمة قبل الحادثات، عن عنايته العليا، لاتتغير أبدا ولا تنقلب لأجل ما بدا، لقوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} [الأنبياء 101] يعني الكلمة الحسنى، وقيل: المنزلة الحسنى. فلا يجوز أن يسبقها سابق منهم، بل قد سبقت كل سابقة تكون، كقوله تعالى: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [الأنبياء 51]، فكذلك قال: {هو سماكم المسلمين من قبل}[الحج 78] .... ولا يصلح أن يكون قبل قدم الصدق منهم قدم، كما لا يصلح أن يكون قبل علمه بهم منهم عمل بهم منهم، لأن علمه سبق المعلوم، ومحبته لأوليائه سبقت محبتهم إياه ومعاملتهم له"[40].

-        ويقول المكي: "وكل محبة لله فعن محبة الله، لأن وجود العبد لمحبته لله علامة غيب محبة الله له، يبين ذلك الغيب له في هذه الشهادة "[41].

 

فهذه جملة من نصوصهم في المعنى، وفي جواب: إن كان ثمة شرط لحصول هذا المحبة الإلهية السابقة ؟: نرى كلاما متفاوتا:

- فالبسطامي لم يذكر شرطا، ونصه لا يفيد عدم الاشتراط.

- وابن أبي الحواري يذكر الشرط، وهو: الاجتهاد في رضى المولى.

- وأما الشبلي فلا يذكر شرطا، إنما يذكر كلاما غامضا، " بدايات ما جرى في الغيب، حسن العناية في الحضرة، بغيبتهم عنها.."، يشير إلى بداية الخلق، والتي كان الخلق فيها، ومنه الإنسان، في غيبة عنها، حيث العدم، ففي هذه البدايات حصلت المحبة الإلهية للإنسان. وهذا يعني أنها محبة من غير شرط؛ إذ كيف تكون بشرط، وفاعل الشرط معدوم، لم يوجد بعد ؟.

- أما المكي فكلامه متناقض !!؛ فظاهره الاشتراط، حيث خص الأنبياء والصالحين بالذكر، وهؤلاء حصّلوا شرط المحبة، وهو الطاعة.

لكن في كلامه ما يكدر على إثبات الشرط؛ فهذه المحبة عنده لم تتغير لحظة، حتى في الحال ما قبل إرسال هؤلاء الرسل والأنبياء. ولم تنقلب حتى في حال ما قبل إيمان أولئك الصالحين، كالصحابة قبل إسلامهم، فإنهم كانوا كفارا. فهل كانوا محبوبين حينذاك ؟.

فالمحبة الأزلية لازمها أنها حاصلة من غير شرط، باصطفاء، واجتباء، باعتبار ما سيكون من هذا الإنسان في المستقبل، فإذا تقدمت المحبة فالشرط غير معتبر. يقول تعالى:

{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} [آل عمران31].

فهذا نص على أن الشرط أولاً (=الاتباع)، ثم المحبة الإلهية.

وهكذا هي التراتيب المنطقية للأمور: العمل أولا، ثم المكافأة والثواب. أما التقدم بالمكافأة فإشعار بعدم اشتراط العمل، إلا في حالة محتملة هي: إذا ما كانت المكافأة تقدمت العمل مباشرة. وهذا ما يفيده كلام ابن أبي الحواري.

فأما التقدم المطلق الأزلي اعتمادا على العلم بحصول العمل لاحقا، فهذا وإن كان ممكنا غير محال في العلم والإرادة الإلهية، إلا أنه يتعارض مع السنة الشرعية التي شرعها الله تعالى، وهي أن محبته مبنية على طاعة متقدمة من الإنسان، كما في الآية الآنفة وغيرها.

فقد لوحظ أن تقرير المتصوفة للشرط المطلوب للمحبة ضعيف. وتقريرهم لمحبة إلهية للإنسان من غير شرط، أظهر وأوضح، بالنظر إلى أن هذا هو مؤدى القول بالحب الأزلي.

 

فأما جواب السؤال الثاني: إن كان المراد بالإنسان جنسه، أم فئة خاصة ؟.

لم يظهر في كلام أولئك المتصوفة تحديد المراد بدقة ووضوح، وإن كان الأظهر أنه في المسلمين دون غيرهم، لكنا نجد في كلام من بعدهم في هذه القضية، ما يفيد أن المراد هو جنس الإنسان، ليست فئة خاصة، يقول ابن عربي:

" حب الله عباده لا يتصف بالبدء وبالغاية، فإنه لا يقبل الحوادث ولا العوارض، لكن عين محبته لعباده، عين مبدأ كونهم؛ متقدميهم ومتأخريهم إلى مالا نهاية له، فنسبة حب الله لهم، نسبة كينونته كانت معهم أينما كانوا، في حال عدمهم وفي حال وجودهم.

فكما هو معهم في حال وجودهم، هو معهم في حال عدمهم؛ لأنهم معلومون له مشاهد لهم، محب فيهم، لم يزل ولا يزال، لم يتجدد عليه حكم لم يكن عليه، بل لم يزل محبا خلقه، كما لم يزل عالما بهم، فلا أول لمحبته عباده"[42].

في هذا النص إشارات مصرحة بعموم هذه المحبة لجنس الإنسان، في العبارات التالية:

-        "عين محبته لعباده، عين مبدأ كونهم، متقدميهم ومتأخريهم، إلى ما لا نهاية له".

-        "بل لم يزل محبا خلقه، كما لم يزل عالما بهم".

فهذه ونحوها تنحو منحى العموم، دون استثناء، ورأي ابن عربي في هذا المعنى معروف، في نصوص كثيرة معروفة.

ووفق هذا المعنى، فإن هذا فيه إثبات أن التصوف يرى المساواة بين جنس الإنسان في المحبة الإلهية، لا فرق فيها بين مؤمن وكافر، وهذا ما قرره ابن عربي بوضوح حينما ذكر:

أن جميع الخلق أحباب الله، مؤمنهم وكافرهم منذ الأزل، وسيبقى هذا الحب أبدا، وأن مآل أهل النار إلى النعيم، فيلتذون بالنار، كما يلتذ أهل الجنة في الجنة؛ وذلك لأن المحبة للخلق أزلية أبدية، والوجود جميعه خلق الله، خلقه ليعرف ذاته، فلما خلقه أحبه، يقول:

"هذا كله من رحمته ومحبته في خلقه ليكون المآل إلى السعادة، فلما ضعف الوسط وتقوى الطرفان، غلب في آخر الأمر وامتلأت الداران، وجعل في كل واحدة منهما نعيما لأهلها يتنعمون به، بعدما طهرهم الله بما نالوه من العذاب؛ لينالوا النعيم على طهارة.

ألا ترى المقتول قودا، كيف يطهره ذلك القتل، من ظلم القتل الذي قتل من قتل به؟. فالسيف محاء، وكذلك إقامة الحدود في الدنيا كلها تطهير للمؤمنين، حتى قرصة البرغوث والشوكة يشاكها.

وثم طائفة أخرى تقام عليهم حدود الآخرة في النار؛ ليتطهروا ثم يرحمون في النار لما سبق من عناية المحبة، وإن لم يخرجوا من النار

فالرحمة  والنعمة والإحسان في البدء والعاقبة والمآل، ولم يجر لاسم الشقاء ذكر في الإتيان، إنما هو رب أو رحمن؛ ليعلمكم ما في نفسه لكم "[43].

إذن هذا الحب الأزلي شامل لجميع الخلائق بلا فرق بين الأديان، لأنها سابقة، كما سبقت الرحمة والعناية وعمت، ومن ثم مآل الكل إلى السعادة، لقوة المحبة وعمومها التي تتضمن الرحمة، حتى أهل النار يتنعمون فيها بما أعطوا من المحبة، وهذه الفكرة من أصول وحدة الأديان، وأثر من آثار وحدة الوجود.

وقد نحمّل الصوفية كلام ابن عربي؛ لأنه مرضي عند كثير منهم، وردودهم عليه قليلة، مع علمهم بكلامه، وكثرة اطلاعهم على كتبه، بل لايزالون في تقديمه، والاعتراف بإمامته.

وليس ابن عربي وحده صرح بهذا، بل كل من كان أهل وحدة الوجود، فهو يقول مثله.

*       *       *

3- الربوبية .

للصوفية اعتناء كبير بهذه القضية؛ فمن خلال تتبع أقوالهم، يتبين جليا تقديمهم توحيد الربوبية على توحيد الألوهية:

-        فالربوبية متعلقة بالله تعالى، والعبودية أو الألوهية متعلقة بالعبد.

-        والربوبية هي المحبة الخاصة والمعرفة الخاصة، والعبودية هي المحبة العامة والمعرفة العامة.

-         والفناء عن شهود السوى أو وجود السوى هو الربوبية، والفناء عن الإرادة هو العبودية.

-         والربوبية مقام المحبوب ومقام التعرف، والعبودية مقام المحب ومقام التعريف.

-        وهي وهبية، وفيها الكرامات والهبات، أما الأخرى فكسبية ، وصاحبها غير مُمَكّن.

-        والربوبية مقام المقربين، والعبودية مقام أصحاب اليمين.

وهكذا هي الفروق، ولا تكاد تجد صوفيا يجادل في هذا، وفي أفضلية الربوبية بإطلاق.

يقول إبراهيم هلال في مقدمته لكتاب "قطر الولي" للشوكاني:

-        "وسواء أجعلوا نهاية طريقهم: الفناء، أم المعرفة، أم حبهم لله، أم المشاهدة، أم الحلول، أم الاتحاد. فإن كل تلك النهايات تتداخل بعضها في بعض، أو تلتقي في نقطة واحدة، وهي الوصول إلى حضرة الربوبية، أو مشاهدة الذات، ثم الإيمان بعد هذا الوصول، وعلى تلك الحالات، وهذا هو التستري يحدد الإيمان بأنه: (معاينة الغيب، ومكاشفة اليقين، ومشاهدة الرب)"[44].

فهما مسألتان:

-        المسألة الأولى: موقف الصوفية من الربوبية.

-        المسألة الثانية: علة عنايتهم بالربوبية.

 

المسألة الأولى: موقف الصوفية من الربوبية .

-        يقول محمد المرتعش (ت 328هـ):" أصول التوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله بالربوبية، والإقرار له بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة". [45]

في هذا النص نرى فكرة الربوبية مسيطرة، فالأصلان الأولان ليسا إلا توحيد الربوبية، الأول (= الربوبية) بلفظه، والثاني (= الوحدانية) بالتضمن المباشر، فالوحدانية مصطلح دال على مرتبة الربوبية، في المعجم الصوفي لسعاد الحكيم، وهو من كلمات ابن عربي:

" ما في الوجود شيء من جمال [جماد] وغيره، وعال وسافل إلا عارفا بوحدانية خالقه، فهو واحد ولا بد". [46].

أما الأصل الثالث فمختص بالألوهية.

-        وقال أبو عبد الله الصبيحي (ت ق 400): "الربوبية سبقت العبودية، وبالربوبية ظهرت العبودية، وتمام وفاء العبودية مشاهدة الربوبية". [47]

وهذا الكلام واضح جدا في بيان منزلة الربوبية عند الصوفية، ومع ذلك فنحن نحتاج إلى نصوص أكثر بيانا ؟..

هنا نتوقف عند أبي طالب المكي، الذي عقد مقارنة بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام، فجعل مقام نبينا مقام الربوبية، ومقام موسى مقام العبودية، ومن المعلوم أن مقام نبينا أعلى من مقام موسى عليهما الصلاة والسلام، يقول:

" ومثل المحبوب من المحب، مثل مقام المصطفى صلى الله عليه وسلم من مقام موسى:

قال موسى: {رب اشرح لي صدري} [طه 25]، وقال لمحمد: {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح]..

وقال موسى: {رب أرني أنظر إليك} [الأعراف143]؛ أي في محل العبودية، وقال لمحمد: {مازاغ البصر وماطغى}[النجم 17]، أي مكان الربوبية.

فبين المحب والمحبوب في التقليب، كما بين موسى ومحمد عليهما السلام في التعريف، فقد جاوز المحبوب مقام المحب في التمكين، كما جاوز محمد مقام موسى في المكان.

وأدخل بينه وبين موسى لام الملك، وأقام محمدا مقامه في الملك، وقال لموسى: {واصطنعتك لنفسي} [طه 41]، وقال لمحمد: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} [الفتح10]، فكم بين من صنعه لنفسه، وبين من جعله بدلا من نفسه، تفضلا وتعظيما.

وعن ابن عباس وكعب: أن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمدا، فأعطى الكلام موسى وخص محمدا بالرؤية "[48].

وأورد ضمن الأدلة خبرا عن مجاهد أن الله يقعد نبيه على العرش مكان الربوبية. [49]

ونقل أثرا عن أهل الكتاب: أن الله أوحى إلى داود:

(إن أود الأوداء إلي، من عبدني لغير نوال، ولكن ليعطي الربوبية حقها) [50].

هنا يلاحظ تنوع الأدلة التي يستدل بها المتصوفة على هذه القضية، بين نصوص قرآنية، ونصوص كتابية، لتدليل على أنها قضية شائعة الذكر وثابتة في كل الأديان السماوية.

وفي توجيه النصوص القرآنية يعتمدون على التفسير الإشاري؛ هو تفسير لا يعتمد على أصول التفسير، الذي هو: تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسنة، أو بكلام الصحابة، أو بكلام العرب. إنما هو تفسير قريب من التفسير بالرأي، ويختلف عنه: أنه يعتمد على الذوق الصوفي. وهو ما يتذوقه أو يقع في خاطر الصوفي من معنى للنص. وقد لا يكون مرادا.

ومن النصوص في هذا المعنى كذلك:

-        قول بنان الجمال: "إن أفردته بالربوبية، أفردك بالعناية".[51]

هنا يشير المتصوفة إلى أن رضا الله تعالى عن العبد، يكمن في كونه يعرفه بالربوبية خلقا وملكا وتدبيرا. فمن أفرده بربوبيته فقد فعل ما طلب منه، وما هو محبوب للرب، ليكافأ بنيل العناية على وجه الخصوص.

وهنا نقف عند نص للغزالي يبين فيه بجلاء نزول مرتبة توحيد الألوهية عن مرتبة توحيد الربوبية، يقول فيه:

" للتوحيد أربع مراتب، وينقسم إلى لب، وإلى لب اللب، وإلى قشر، وإلى قشر القشر. ولنمثل ذلك تقريبا إلى الإفهام الضعيفة بالجوز في قشرته العليا؛ فإنه له قشرتين، وله لب، وللب دهن هو لب اللب.

فالرتبة الأولى من التوحيد: هي أن يقول الإنسان بلسانه (لا إله إلا الله)، وقلبه غافل عنه أو منكر له، كتوحيد المنافقين.

والثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه، كما صدق به عموم المسلمين، وهو اعتقاد العوام.

والثالثة: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف، بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة، ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار.

والرابعة: أن لا يرى في الوجود إلا واحدا، وهي مشاهدة الصديقين، وتسميه الصوفية: الفناء في التوحيد؛ لأنه من حيث لا يرى إلا واحد، فلا يرى نفسه أيضا، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقا بالتوحيد، كان فانيا عن نفسه في توحيده، بمعنى أنه فني عن رؤية نفسه والخلق"[52].

إذا تجاوزنا الرتبة الأولى؛ كونها بالاتفاق غير مرادة شرعا، فالإيمان المراد هو عقد القلب واللسان معا، أما عقد اللسان دون القلب فهذا غير مراد قطعا، وهو أقرب إلى النفاق، كما ذكر الغزالي: فإن الرتبة الثانية لا ريب تمثل مرتبة توحيد الألوهية؛ حيث إن فيها العقد بالأمرين: القلب، واللسان. لكن بعرضها على ميزان النصوص فهي غير كافية؛ إذ تحتاج إلى أمر ثالث هو: عمل الجوارح، المبني على عمل القلب. هكذا يقرر أهل السنة والجماعة.

وكنا ننتظر من الغزالي أن ينتقل إلى هذه المرتبة من التوحيد في الثالثة، غير أنه جنح إلى نوع آخر، دخل به في مرتبة الربوبية..!!.

وليس هو المرتبة التي تقررت في نصوص الشريعة، والتي عرفها علماء الشريعة، وهي:

-        إفراد الله تعالى بالخلق، والملك، والتدبير. أو إفراده بأفعاله[53].

كلا، بل نوع يسمونه ربوبية، لنوع شبه بها، وليس منها في كل شيء، أو قل: ليس هو المراد شرعا؛ هو ما ذكر في الثالثة: أن يرى الأشياء على كثرتها صادرة عن الواحد القهار. أو كما شرحها بعد ذلك بقوله:  "والثالث: موحد؛ بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلا واحدا. إذ انكشف له الحق كما هو عليه"[54].

فتوحيد الربوبية، كما هو مقرر لها شرعا، ليس بهذا المعنى: أن لا يرى إلا الله تعالى فاعلا.

بل معناه: أن لا يشرك معه في أفعاله التي تخصه، كالخلق، والتدبير، وعلم الغيب المطلق، والإحياء، والإماتة أحد غيره. فالمعنى الصوفي أوسع. إنه في هذا يميل إلى الجبر.

أما المرتبة الرابعة فهي غامضة، ومشتبهة غاية الاشتباه بوحدة الوجود، التي ينفيها الغزالي ويتبرء منها بحماسة، أنظره وهو يقول في سياق نصه الآنف:

"والرابع: موحد؛ بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث إنه كثير، بل من حيث إنه واحد. وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد"[55].

وقد يعسر التفريق بينها وبين السابقة، فالسابقة هي فناء الشهود، وليس بعده إلا فناء الوجود، فالكلام ملتبس..!!.

وفي كل حال: ظهر جليا تقديم الصوفية لمرتبة الربوبية على الألوهية، وتنظيرهم لهذا المعنى.

*       *       *

المسألة الثانية: علة عناية الصوفية بالربوبية .

لكن لماذا هذا الاهتمام بالربوبية ؟.

يظهر الجواب على ذلك من خلال أمرين:

الأول: أن الصوفية يعظمون جانب المعرفة كثيرا؛ أي معرفة الله وأسمائه وصفاته، ومعرفة مافي الملكوت، وكل غايتهم الوصول الى ذلك المقام، وربما قللوا لأجله من شأن العبادة.

-        يقول ذو النون المصري (157-245هـ):"إياك أن تكون بالعبادة متعلقا"[56].

-        ويقول الحارث المحاسبي (243هـ):" العمل بحركات القلوب، في مطالعات الغيوب، أشرف من العمل بحركات الجوارح"[57].

-        ويقول الواسطي:" إياكم واستحلاء الطاعات فإنها سموم قاتلة"[58].

فغايات الصوفي هي: ما يتعلق بالقلب من ناحية المعرفة فحسب..!!.

وما ورد عن الأئمة من تعظيم الشعائر التعبدية، كالجنيد والتستري والسلمي وغيرهم فذلك لا يبطل أن يكون المقصود الأساس هو الربوبية؛، فالمقصود الأول هو المعرفة بالقلب، وما يحصل عنه من كشف ومشاهدة. ومن المعلوم أن المعرفة هي معرفة الربوبية، حيث قالوا عن المعرفة: أنها معرفة الله وأسمائه وصفاته. وهذه هي الربوبية.

الثاني: الفكر الصوفي يقول بالتجلي الإلهي في الوجود، وحلول الصفات الإلهية بدلا عن صفات العبد، على مقتضى حديث الولاية، ومن هنا كان الاهتمام بالربوبية، فالربوبية صفات الرب، والعبودية صفات العبد. وإذا كان الرب يتجلى في عبده، ويتحد به؛ فتصبح صفاته بدلا عن صفات الحق، فقد بقي بالربوبية، وفني عن العبودية، وهذا مقصود عندهم.

-        يقول عبد الله بن منازل:"أنت تظهر دعوى العبودية، وتضمر أوصاف الربوبية ".[59]

يعني حقيقة صفات الربوبية كامنة في الإنسان، وإن كان ظاهرا تبدو عليه آثار العبودية. هذه الفكرة أفصح عنها متأخرة الصوفية بوضوح، فهذا الجيلي يقول عنها:

" واعلم أن للربوبية تجليان: تجل معنوي، وتجل صوري.

-        فالتجلي المعنوي: ظهوره في أسمائه وصفاته، على ما اقتضاه القانون التنزيهي من أنواع الكمالات.

-        والتجلي الصوري: ظهوره في مخلوقاته، على ما اقتضاه القانون الخلقي التشبيهي، وما حواه المخلوق من أنواع النقص.

فإذا ظهر سبحانه في خلق من مخلوقاته، على ما استحقه ذلك المظهر من التشبيه، فإنه على ماهو له من التنزيه، والأمر بين صوري ملحق بالتشبيه، ومعنوي ملحق بالتنزيه، إن ظهر الصوري فالمعنوي مظهر له، وإن ظهر المعنوي فالصوري مظهر له، وقد يغلب أحدهما فيستتر الثاني تحته، فيحكم بالأمر الواحد على حجاب" [60].

يقصد بقانون التشبيه الخلقي الأثر الذي يعملون به: ( تخلقوا بأخلاق الله ) [61]، وحديث الولاية ونحوها. فالصوفي المتحقق له تطلع إلى أن تحل فيه أوصاف الربوبية، حتى يكون هو الرب والإله المتصرف المدبر، وهذا لا يكون إلا بالربوبية، ومن هنا كان الاهتمام الخاص بالربوبية.

وأما العبودية فهو وقوف عند صفات العبد، وانقطاع عن الاتصال، قال أبو يزيد :

" إن أعطاك الله مناجاة موسى، ورحانية عيسى، وخلة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فاطلب ما وراء ذلك، فإن عنده فوق ذلك أضعافا مضاعفة، فإن سكنت إلى ذلك حجبك به. وهذا هو بلاء مثلهم في مثل حالهم؛ لأنهم الأمثل فالأمثل بالأنبياء"[62].

وهذا سؤال يرد على كلامه أبي يزيد:

ما الذي وراء مقام أئمة الأنبياء، أولي العزم من الرسل ؟!.

الذي لا نعلم سواه: أنه لا مقام في العبودية بعد مقام هؤلاء الأولياء. وما بعد العبودية إلا إلا النزول في مقام الربويبة..؟!!.

*       *       *

علاقة الربوبية بوحدة الأديان

لتوحيد الأديان مفهومان: خاص، وعام.

-        فأما الخاص منه، فهو المتعلق بالديانات الثلاثة: اليهودية، والنصرانية، والإسلام.

-        والعام متعلق بالديانات الوضعية والسماوية كليهما، ولا يستثنى منه إلا الإلحاد.

فعلاقة الربوبية بالمفهوم الخاص تتبدى من: معرفة أن الربوبية هي: الإيمان بوجوده الله تعالى، وبأنه خالق، مالك، مدبر. وهذا المعنى يؤمن به أتباع الديانات السماوية، ويجعلونه مقصدا ومطلبا عاليا، وبهذا يكون نقطة جمع بينهم صحيحة، يلتقون عليها.

لكن بمجرد هذا الاجتماع لاتحصل الوحدة؛ بمعنى المساواة بين دينهم والإسلام.

فالإسلام مع كونه يرى توحيد الربوبية مقصدا ومطلبا عاليا، لكنه لا يجعل من هذا سببا للوحدة مع أهل الكتاب؛ لأن المقصد الأول والغاية عنده هي: توحيد الألوهية أو العبودية.

فلو وحدوه في العبودية، للتقوا مع الإسلام وتوحدوا مع المسلمين؛ لأنهم حينئذ يكونوا مسلمين.

إنما قد تحصل الوحدة، إذا جعل من الربوبية غاية أولى، ومقصدا ومطلوبا أول..؟!!.

وكيف يكون ذلك ؟.

يكون ذلك: إذا صارت الغاية الأولى، هي: توحيد الربوبية. فحينئذ تتعلق الموالاة والمعاداة به، فإذا ما نظر - هذا الذي جعل توحيد الربوبية غاية - في ديانات أهل الكتاب فوجدهم يقرون بهذا التوحيد، لاينكرونه. فبأي شيء يصح له حينئذ مفارقتهم، ومعاداتهم، وهم الذين يقرون بالغاية الأولى نفسها التي يقر بها ؟.

المعاداة والبراءة تكون على الأصول والغايات، فإذا اتفقت فالموالاة إذن، فإنه لا وجه لمعاداة من يقر بالأصل الذي تقر به، والغاية التي تؤمن بها.

وهكذا رأينا في نصوص الصوفية: تعظيما لجانب الربوبية، وتقديما له على العبودية، ثم توهينا لجانب العبودية. مما دل على أنها الغاية الأولى، والمقصد الأول عند المتصوفة.

وبذلك خطو خطوة إلى نحو وحدة الأديان، فمن خلال هذا الاتفاق في تقديم توحيد الربوبية: يمكن إذن اجتماعهم مع اليهود والنصارى في وحدة متحدة، ينظر إلى بعضهم نظرة مساواة؛ إذ الكل قد حقق هذه الغاية الأولى.

لكن قد يعترض بأن الصوفية لم يبطلوا توحيد الألوهية، وإن عظموا عليه الربوبية ؟، فميزان التفريق بين المؤمن والكافر موجود، فتبطل الوحدة إذن، فكيف يحتملوا مالم يقولوه ؟!.

نعم، تقديم الربوبية لا تلزم منه الوحدة. بدليل: أن جمعا من المتصوفة لا يقولون بالوحدة، وهم يقدمون الربوبية كالحارث المحاسبي. إلا أن هذا التقديم جنوح عن الصراط، وخطوة نحو القول بالوحدة؛ أي أنه قول ممهد، قد يتجه إلى هذه النتيجة، وقد يتوقف عندها.

فإن كثرة الكلام على تعظيم الربوبية وتقديمها على العبودية، قد يفضي إلى التهوين من جانب العبودية، وهذا ما حدث، وعبر عنه المتصوفة بعبارات من مثل:

-        "إياك أن تكون بالعبادة متعلقا".

-        "إياكم واستحلاء الطاعات، فإنها سموم قاتلة".

-        "العمل بحركات القلوب، في مطالعات الغيوب، أشرف من العمل بحركات الجوارح".

ومهما فسرت هذه الكلمات، وخرجت تخريجا ربما أنجاها من النقد، إلا أن الحقيقة أنها كلمات تحمل معها فكرة التهوين والإسقاط، ولها دور المحرض على الإعراض عن العبودية، وهذا أيضا قد حصل؛ حيث ذهب جمع من المتصوفة إلى القول بإسقاط التكاليف. [63]

فهذا التقديم المطلق للربوبية، والتهوين من العبودية، ثم أخيرا إسقاط التكاليف: كلها ومجموعها هدم لميزان الفرق بين المؤمن والكافر. وإذا هدم الميزان فلا فرق، بل مساواة.

إذن، تقديم الربوبية على الألوهية مطلقا، وجعلها الغاية الأولى، عامل رئيس وسبب أساس للقول بالوحدة في الأديان؛ أي المساواة بين الإسلام، والنصرانية، واليهودية. قد يتخلف لعارض ما، لكن لا تجد من الصوفية أحدا يقول بالوحدة إلا وهو من القائل بتقديم الربوبية.

*       *       *

أما علاقة الربوبية بالمفهوم العام من وحدة الأديان: الشاملة للأديان السماوية والوضعية. فالعلاقة أضعف من النوع الأول؛ إذ المفهوم العام يشمل الوضعية، والأديان الوضعية لاتقر بالله تعالى ربا، وخالقا، ومدبرا. فالإله عندها مخلوق من المخلوقات: كالنار، والبقر، والحجر، وبوذا.. إلخ. وهكذا فهي لا تدخل تحت غطاء الربوبية، كالسماوية.

فمن أين تأتي العلاقة إذن ؟.

العلاقة ليست مباشرة، إنما الخطوة تجر أختها، فالقول بوحدة الأديان بالمفهوم الخاص؛ أي المساواة بين الإسلام، والنصرانية، واليهودية. تصحيح لهذه الأديان، وهو باطل وكفر.

والقول بوحدة الأديان بالمفهوم العام، كذلك هو باطل وكفر، لكنه أكثر كفرا؛ إذ تصحيح دين أصله صحيح سماوي منزل، حرّف وبدل لاحقا، حتى بطل: أهون من تصحيح دين ليس له سند سماوي أصلا، إنما هو من وضع الخلق. وكله باطل وكفر، لكن الباطل والكفر دركات.

والانتقال من كفر إلى كفر أكبر ليس عجبا، بل هو المتفق مع قانون الانحراف؛ فالانحراف جنوح عن الصراط المستقيم، وهو في أوله يكون قريبا منه، لكنه لا يلبث أن يتباعد عنه كلما تقدم وتحرك، حتى تتسع الفجوة بينهما فتكبر، ولا تزال، حتى يستحيل الالتقاء من جديد، بعد أن كان البعد بينهما يسيرا لا يذكر.

وهكذا، فإن التقديم المطلق للربوبية، وجعلها الغاية الأولى انحراف، وخروج إلى البدعة، لكنه يبقى في دائرة الإسلام، ثم قد يتباعد بالقول بوحدة الأديان السماوية، فيكون كفرا، وقد يزيد تباعدا بالقول بوحدة الأديان عموما، فيكون كفرا أكثر من الأول.

وإذا ما وقف المفهوم عند حدّ، فمفاهيم أخرى كفيلة بتحريك العملية إلى جهة أكثر حدة، فمفهوم الربوبية عند التصوف يحمل إلى وحدة الأديان السماوية، ثم يقف، ثم يأتي مفهوم الوحدة في الوجود ليحمل إلى وحدة الأديان كلها، وليحمل إلى وحدة كل ما يعبده الإنسان، حتى لو لكان ملحدا، فإنه ما عبد إلا الله؛ لأن الله تعالى تجل في كل شيء، حتى في هذا الملحد، فإذا عبد فكره وهواه، فقد عبد الله تعالى.

ومن هنا كنا نجد أعيان الصوفية كثيرا ما يلتقون بالرهبان ويسألونهم عن المعرفة ، وعن غيرها من المعاني والمباديء الصوفية بقصد التعلم منهم، ولم أعثر من خلال النظر في تلك المحاورات دعوة من هؤلاء الأئمة لأولئك الرهبان للدخول في الاسلام. [64]

*       *       *

إن توحيد الربوبية، وإن عظم شأنه، لكنه ليس هو المقصود من بعثة الرسل، وليس هو الغاية المطلوبة من العباد؛ ذلك لأمرين:

 

الأول: أنه فطري.

لم يحصل بالاكتساب، بل هبة من الله تعالى، حيث خلق الإنسان وفي فطرته معرفة أن العالم له خالق، مالك، مدبر هو الله تعالى.

يدل على هذا إقرار المشركين والكفار به، مع كفرهم وشركهم، كما قال تعالى:

-        {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} [سورة 25].

ولم يعرف عن أمة أنها أثبتت للعالم خالقين متماثلين، إنما بعضهما أعلى من بعض.

الثاني:  أنه علمي.

والمطلوب الأول، والمقصد الأكبر هو: العمل.

يدل عليه: أن مبدأ الثواب والعقاب بني على العمل، ولأجله خلقت الدنيا، والجنة والنار، كما في قوله تعالى:

- {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك 2].

-        {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الزخرف72].

-        {وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون} [الزمر24].

نعم العلم مطلوب، لكن بدون العمل غير مفيد.

فبان بهذا: أن توحيد الربوبية، لا نقول ليس هو مهم، كلا، لكنه لا يكفي وحده، إذا لم يتمم بالألوهية أو العبودية. الذي يتوفر فيه الشرطان المفقودان في توحيد الربوبية، وهما: الاكتساب، والعمل. فالعبودية أو توحيد الإلهي أمر مكتسب، ومن هنا فليس كل الناس اكتسبوه، بل كثيرون أعرضوا عنه؛ إذ كان في دائرة الاختيار. وهو كذلك عمل.

وبهذين صار ميزانا للتفريق بين الناس، فمن أتى به فهو مؤمن، وإلا فكافر.

ولأنه هو المطلوب الأول، فإن الرسل به بعثت، كما قال تعالى:

{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل36].

{وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}[الأنبياء25].

وبه قامت الرسل، وجاهدت، وانقسم الناس إلى فريقين، فمن اتبعهم فهو مؤمن، وإلا فلا.

وبهذا يعلم خطأ الصوفية في غلوهم في الربوبية، بجعلهم إياه المطلوب الأول والغاية الأولى.

4- الجبر.

مما يتعلق بالربوبية نظرية "الجبر"، فمن نظر إلى فعل الله تعالى، وأهمل النظر إلى فعل العبد بالكلية، فقد وقع في الجبر.

والربوبية أفعال الله تعالى، والعبودية (= الألوهية) أفعال العباد؛ بإفراد الله تعالى بالعبادة.

وطائفة من الصوفية استغرقوا في الربوبية، وأهملوا العبودية، فوقعوا في الجبر من ثم، فإنهم قرروا: أنه ليس في الوجود إلا الله فعلا.

ومنه توصلت طائفة منهم إلى: أنه ليس في الوجود إلا ذاته.

ولما كانوا لا يرون في الوجود إلا فعل الله تعالى، وفعل غيره سرابا، وقعوا في الجبر.  فلا فعل للعبد، بل هو مجبور كالشجر في مهب الريح، والريشة في جناح الطائر.

فقد واقعوا ذرائع حملتهم إلى اعتقاد الجبر:

منها استغراقهم التام في الربوبية، بما ينقص عنايتهم بالألوهية.

ومنها: أن الفكر الصوفي ينظر لوحدة الوجود ؟.

فالفكر الصوفي يقرر: أنه لا موجود على الحقيقة إلا الله.

وهكذا فإن الأفعال كلها، هي فعل الله، ليس على معنى أن الله خلقها في العباد، بل على معنى أنه حل في العباد واتحد بهم، أو أنه لم يفترق عنهم أصلا، ومن هنا فأفعالهم هي أفعاله، وهو المحرِك والمحرَك، وهو الخالق وهو المخلوق .

فالفكر الصوفي يميل الى القول بالجبر لأمور:

الأول: نظره إلى أفعال الله خاصة، والسعي إلى تحصيل المعرفة والبقاء بها، حتى لايرى إلا فعل الله في الوجود، كما في بعض مراتب الفناء.

ثانيا: قوله بالوحدة في الوجود، وأن الوجود الحقيقي لله تعالى، وأن الله حال في مخلوقاته، فكل فعل للمخلوق فهو فعل الله حقيقة، ولايد للعبد فيها ولو على سبيل التبع.

فالفرق بين كون الفاعل هو الله مع عدم الحلول، وكونه هو الفاعل مع الحلول، أن فعل العبد في الأول على سبيل التبع، ليس فيه استقلالية مطلقا، وأما في الثاني ففعله هو فعل الله جملة وتفصيلا، ليس للعبد أدنى فعل ولو تبعا.

 ثالثا: أن كثيرا منهم يتبع المنهج الأشعري كالقشيري والغزالي، قد حكى المعيبري أن عقيدتهم هي عقيدة أبي الحسن الأشعري،[65] والأشاعرة يميلون إلى الجبر. قال ابن رشد:

"وأما الأشعرية فإنهم راموا أن يأتوا بقول وسط بين القولين [بين الجبرية والقدرية]، فقالوا: أن للإنسان كسبا، وأن المكتسَب به والمكتسِب مخلوقان لله تعالى، وهذا لا معنى له. فإنه إذا كان الاكتساب والمكتسب مخلوقان لله سبحانه، فالعبد ولا بد مجبور على اكتسابه".[66]

وهذا عامل مساعد لا أصلي في نظري، فالتصوف في أصله جبري، وإن لم يتصل بفكر وعقيدة الأشعرية.

*       *       *

طرف من أقوالهم في الجبر

-        قال الواسطي: " الرضا والسخط نعتان من نعوت الحق، يجريان على الأبد بما جريا به في الأزل، يظهر الوسمين على المقبولين والمطرودين، فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليه، كما بانت شواهد المطرودين بظلمتها، فأنى تنفع مع ذلك الألوان المصفرة، والأكمام المقصرة، والأقدام المنتفخة ؟" [67].

في أول الكلام: أن الله قد ميز بين المقبولين والمطرودين منذ الأزل، وهم على ذلك إلى الأبد، فلا يتغير شيء. فهذا إن عدنا به إلى الإيمان بالقدر، فهو حق، فقد فرغ الله تعالى من عباده، لكن آخر الكلام في التقليل من نفع الطاعة، بقوله عنها: " فأنى تنفع مع ذلك الألوان المصفرة، والأكمام المقصرة، والأقدام المنتفخة؟"، يميل بالمعنى إلى الجبر؛ فإذا فرغ من الحكم على العباد، فما نفع الطاعة منهم إذن ؟.

-        قال أبو عثمان المغربي: "الخلق قوالب وأشباح، تجري عليهم أحكام القدرة الإلهية".[68]

فالقالب يأخذ شكله ممن قولبه، والشبح خيال لا حقيقة له، فالخلق كذلك، لا يملكون من أمرهم شيئا، إلا التشكل وفق الصورة التي رسمتها لهم أحكام القدرة الإلهية. فهي جبرية.

-         قال الجنيد للشبلي: "لو رددت أمرك إلى الله لاسترحت. فقال الشبلي: يا أبا القاسم!،  لو رد الله أمرك إليك لاسترحت. فقال الجنيد: سيوف الشبلي تقطر دما".[69]

أي لا تملك من أمرك شيئا، وهو نص يحتمل معنى الجبر، ويحتمل ما دون ذلك: أن مشيئة الله نافذة، فوق مشيئة العبد. والنص المحتمل لا يعول عليه كثيرا إذا انفرد، لكن مع توارد النصوص واجتماعها في المعنى الواحد، يمكن أن يكون ذو دلالة على المعنى المقصود.

-        قال الحلاج: " لما كان الله تعالى أوجد الأجسام بلا علة، كذلك أوجد فيها صفاتها بلا علة، وكما لا يملك العبد أصل فعله، كذلك لا يملك فعله".[70]

قول: "العبد لا يملك أصل فعله". هذا مفهوم في ضوء مشيئة الله النافذة، فهو الذي يحرك إرادة العبد، كونه يملك القلوب. لكن نفي ملكه لفعله أيضا، يوحي بالجبر؛ لأن العبد يملك الاختيار؛ أن يفعل أو لا يفعل. فإذا كان لا يملك حتى فعله. فهذا هو الجبر، وبه يمكن أن يكون التفسير الأرجح لهذا.

وفي كل حال، فهذه النصوص تشير إلى ناحية الجبر، أكثر من إشارتها إلى قدرة العبد على الاختيار، وإثبات المشيئة له، وبهذا يميل المعتقد والمتبع لمثل هذه النصوص إلى جهة الجبر، فتكون وسيلته إلى اعتناق هذا المذهب، ولو لم يقصد أصحابها هذا المعنى بالخصوص، إنما المشيئة الإلهية المهيمنة النافذة: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} [الإنسان 30].

هذا مع أن بعضهم لا يستبعد منه إرادته، خصوصا أولئك يؤمنون بالفكر الصوفي كما هو في حقيقته، ومن هؤلاء الحلاج القائل:

ما يفعل العبد والأقدار جارية           عليه في كل حال أيها الرائي ؟.

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له:           إياك إياك أن تبتل بالمـــاء[71]

 

*       *       *

 

العلاقة بين الجبر والوحدة في الأديان

الإنسان إذا كان مجبورا على فعله.. فحينئذ كيف يؤاخذ على فعل الله فيه ؟.

وكيف يحاسب على عقيدته التي حصلت فيه دون فعله ؟.

وإذا كان الوجود هو الله، والأفعال هي فعل الله، وليس لأحد فعل إلا على سبيل التبع، فكيف يقال هذا مؤمن وهذا كافر، والأمر والوجود واحد؟.

فكل اعتقاد يعتقده الناس إذن، إنما هو من فعل الله فيهم، فمن هذه الناحية فلابد أن تكون الأديان كلها مقبولة، واحدة لافرق بين دين ودين.

وإذا كان فعلهم من واحد وهو الله، فدينهم إذن، وإنما يختلف بالتنوع والتعدد.

-        " فوحدة الوجود جبرية صارمة، هيمنت على الوجود كله، وتعطلت معها إرادة الإنسان، وتوقف تفكيره، وامتنعت التفرقة بين الخير والشر، والتمييز بين الثواب والعقاب، وسقطت قيمة الإلزام الخلقي، وارتفعت المسئولية الأخلاقية، بزوال ركنيها الأساسيين: العقل، وحرية الاختيار "[72] .

وقد كانت هذه حجة المشركين على شركهم؛ أي أن الله لما جبرهم، دل على رضاه.

-        قال الله تعالى:{ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ..} [الأنعام 148]. [73]

 

*       *       *

5- الرضا

الرضا في بدايته مقام مكتسب، وفي نهايته من جملة الأحوال والمواهب، كما رجح القشيري،[74] وفي هذا المقام خرج الصوفية بآراء تدعم القول بوحدة الأديان، ولو بالوسيلة.

-        قال الهروي: "الرضا: اسم للوقوف الصادق حيث ما وقف العبد، لا يلتمس متقدما ولامتأخرا، ولايستزيد مزيدا، ولايستبدل حالا، وهو من مسالك أهل الخصوص، وأشقها على العامة".[75]

نص محتمل، لو أخذ على ظاهره، فعليه ملاحظة؛ حيث يجعل الرضا، الوقوف عند حد، دون التماس التقدم أو التأخر، أو الزيادة، أو التبديل.

فهذا الحد إذا كان دنيويا، فمفهوم وليس عليه ملحظ يخص البحث الذي نحن فيه، وهو الجبر. أما الديني، فالمقصود بالعبادة التقدم والزيادة، والتبديل من الحسن إلى الأحسن، ومن السيء إلى الحسن، فالوقوف في هذا عند حدٍّ، غير مطلوب، بل مذموم شرعا.[76]

وقد ذكر ابن القيم، في شرحه لهذه الجملة، هذين الاحتمالين معنى لها، ولم يذكر سواهما من معنى يؤيد فكرة وحدة الأديان، ويبدو أن الاحتمالات لا تفيد هذا المعنى إلا بتكلف.

وللصوفية نصوص في الرضا تتفق مع معاني الوحي المنزل، فعن النصراباذي أنه قال:

-        "من أراد أن يبلغ محل الرضا، فليلزم ما جعل الله رضاه فيه".[77]

وقول القشيري نفسه:

-        "فالواجب على العبد أن يرضى بالقضاء الذي أمر بالرضا به؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا به، كالمعاصي وفنون محن المسلمين".[78]

كما ورد قريب من هذا عن أبي طالب المكي، والغزالي، تبعهما الدباغ. [79]

غير أنا نجد نصوصا أخرى عديدة، تقرر معاني تعد جديدة على المسلمين، وغريبة بعض الشيء؛ إذ فيها محاولة تحصيل الرضا عن كل ما يقع في العالم، من خير وشر، باعتبار الإرادة الكونية الشاملة، والنظر إلى أنها من عند الله تعالى، فيجب الرضا والقبول بها إذن. 

-        قال أبو بكر بن طاهر: " الرضا: إخراج الكراهية من القلب، حتى لا يكون فيه إلا فرح وسرور".[80]

ظاهر المعنى: أنه سرور وفرح مطلق كلي، بكل شيء في هذه الحياة. وأشياء الحياة متناقضة، فيها الخير والشر، فيها الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية. وهذا نصه: "حتى لا يكون فيه إلا.."، وهذا حصر؛ لأنه جاء بعد نفي واستثناء، والاستثناء في سياق النفي يعمّ.

فهل قصد الإطلاق، أم خانه الأسلوب فأراد غلبة السرور والفرح لا مطلقه ؟.

 نجد توضيحا لجانب من هذا المعنى، في معرض إجابة رابعة عمن سألها عن الرضى، فتقول:

-        " إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة "، والسلمي يوافقها على هذا المعنى. [81]

وقد جعل الطوسي هذا النوع من الرضا – السرور بكل شيء؛ بالنعمة والنقمة - في الدرجة الأولى من مقام الرضا، بينما جعله الهروي الدرجة الثانية.

-        قال الطوسي: "إسقاط الجزع، حتى يكون قلبه مستويا لله عز وجل فيما يجري عليه من حكم الله، من المكاره والشدائد والراحات، والمنع والعطاء".[82]

-        قال الهروي: "الرضى عن الله، وبهذا نطقت آيات التنزيل، وهو الرضى عنه في كل ما قضى وقدر. وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص. ويصح بثلاث شرائط: باستواء الحالات عند العبد. وبسقوط الخصومة مع الخلق. وبالخلاص من المسألة والإلحاح".[83]

ثم إنهم قد ذهبوا إلى معنى أبعد من ذلك، فأمرو بترك الذكر والدعاء، كيما يكتمل الرضا.

-        قال الشبلي بين يدي الجنيد:" لا حول ولاقوة إلا الله". فقال الجنيد: "قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء". فسكت الشبلي. [84]

-        ويحكي الغزالي أن صوفيا ضاع له ولد صغير، فقيل له: "لوسألت الله في أن يرده عليك. فقال: اعتراضي عليه فيما قضى أشد علي من ذهاب ولدي"[85].

-        قال ابن الدباغ: " فلذلك امتنع بعضهم من الدعاء اكتفاء بالعلم بالحال " [86].

ولابن تيمية تخريج لقول الجنيد قال فيه: "وكان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليما وتأديبا وتقويما، وذلك أن هذه الكلمة هي كلمة استعانة، لا كلمة استرجاع. وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعا لا صبرا.

فالجنيد أنكر على الشبلي حاله، في سبب قوله لها؛ إذ كانت حالا ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه".[87]

وليس المقصود البحث في قصد الجنيد، إنما بيان أن هذه الجملة ظاهرة الاحتمال في ترك الدعاء، فتكون مادة لأرباب هذا التوجه، فكم من كلمة أصحبت وسيلة لمعاني أخرى.

ثم إن الحوقلة للاستعانة، كما ذكر الشيخ، ومن المشروع الاستعانة به تعالى على المصائب.

ولم يتوقف الصوفية عند الكف عن الدعاء، بالاتكال على الرضا، بل صاروا إلى أنه ترك سؤال فضل الآخرة؛ من دخول الجنة، والنجاة من النار.

-        نقل القشيري عن الداراني قوله:"الرضا أن لاتسأل الله الجنة، ولا تستعيذ به من النار".[88]

-        قال الداراني:" لو أدخلني النار، لكنت بذلك راضيا "[89].

-        ويقول: " قلت: قد نلت من كل مقام حالا، إلا الرضا، فما لي منه إلا مشام الريح. وعلى ذلك: لو أدخل الخلائق كلهم الجنة، وأدخلني النار، لكنت بذلك راضيا".[90]

والنوري يعبر عن درجة ربما هي الأعلى، بقوله: 

-        " لوكنت في الدرك الأسفل من النار، كنت أرضى ممن هو في الفردوس الأعلى".[91]

ابن تيمية يطعن في نقل القشيري الأول عن الداراني، ويثبت الثاني.. فيقول:

" فهذا الكلام مأثور عن أبي سليمان بالإسناد [= الثاني]، ولهذا أسنده القشيري من طريق شيخه أبي عبدالرحمن، بخلاف تلك الكلمة [= الأول] فإنها لم تسند عنه، فلا أصل لها عن الشيخ أبي سليمان".